أحــداث الجبهـة.. ثـــورة أم ثـــأر؟!!

بلال الطيب :

الثورة التي قامت من أجل إقامة نظام جمهوري عادل، وإزالة الفوارق بين الطبقات، فَشلت في تحقيق هدفها الأول، ظلت مخلفات الإمامة فارضة حضورها النتن، دون أن تفلح الأفكار التقدمية الوافدة في كبح جماحها، أو حتى تهذيبها.

تأثر ثوار «اليمن الأسفل» بالأفكار اليسارية، على اعتبار أنهم مضطهدون مسلوبوا الإرادة منذ زمن، فيما تأثر ثوار «اليمن الأعلى» بالأفكار البعثية التي جاءت متماهية والبيئة الاستعلائية التي عاشوا في كنفها، لم يرتقِ الطرفان إلى تجسيد أهدافهم القومية الأممية المُعلنة، استمرت المناكفات بينهما، بدت كخلافات ظاهرها «الحزبية»، وباطنها «المناطقية»؛ ثم تطور الأمر إلى مشادات كلامية، تبعتها مواجهات مسلحة، أخرجت الطرف الأكثر ثورية إلى الهامش.

تشكلت المقاومة الشعبية «11نوفمبر1967»، وانخرط فيها أعضاء من القوى الوطنية الفاعلة، وكانت معظم قياداتها الميدانية والعسكرية مؤلفة من حركة القوميين العرب، وحزب البعث، ومن الماركسيين، ومن المستقلين ذوي النشاط الاجتماعي، وكان لها دور بارز في الدفاع عن صنعاء خلال أيام وليالي الحصار، أصدرت الجبهة القومية الحاكمة في الجنوب «20يناير1968» بياناً داعماً لها، أثبت يساريتها منشأً وغاية، وأكد أن مرحلة جديدة من الكفاح الثوري بدأت، وإن دعم المقاومة الشعبية يعد تصحيحاً لواقع الشمال، وتلبية لاحتياجات الجماهير الكادحة.

أنتهى حصار صنعاء «8فبراير1968»، استعرت الخلافات المؤجلة بين رفقاء السلاح؛ فيما انشغلت النخبة الحاكمة بالتمهيد للمصالحة الوطنية، ارسلت الوسطاء لذات الغرض، واستقبلت الملكيين «العائدين»، والضباط الكبار «الهاربين»، ليتجرأ هؤلاء ويطالبوا بالعودة إلى مناصبهم التي سبق وأن تركوها شاغرة، وصارت من مهام الضباط الصغار، أبطال فك الحصار.

«المقاومة الشعبية» خرجت مُنتشية بالنصر كقوة يصعب اجتثاثها، توجهاتها تتشابه وتتطلعات الضباط الصغار، اندفع بعض أفرادها لفتح جبهات خاسرة، وهي حقيقة أثبتها عمر الجاوي في كتابة «حصار صنعاء» بقوله: «اتخذت مقاومة البيضاء أسلوب قصف ونسف حتى بيوت الرجعيين، وكانت مقاومة سرية إلى حد بعيد، اعتمدت على الأسلحة الشخصية، وفي يريم اعتقل المشايخ، وبدأت المقاومة في توزيع الأراضي على الفقراء».

كان الضباط الصغار وشباب المقاومة الشعبية أكثر حماساً، سريعي العاطفة، أقل صبراً، وأكثر طموحاً، وفي المقابل كان الضباط الكبار لا يطيقون ذلك النزق، ويتوجسون خيفة من اندفاعاتهم، راقبوا تحركاتهم، درسوها، وأعدو الخطة جيداً للتخلص منهم وللأبد.

هناك وعلى رصيف ميناء الحديدة «8مارس1968» كانت البداية، وصلت شحنة أسلحة روسية، دبَّ الخلاف بين الفريقين حول أحقية من يستلمها، تفجرت مناطقية علي سيف الخولاني ـ أحد الضباط الهاربين ـ ونعت علي مثنى جبران بـ «الحبشي»، لأنه من مواليد الحبشة، فيما الفريق حسن العمري «رئيس الوزراء ـ القائد العام» والذي كان حينها بمثابة الأب والأخ الأكبر للجميع، نعت هو الآخر النقيب عبد الرقيب عبدالوهاب بـ «البرغلي»؛ وفور مغادرته الميناء وجه بقصف مقر المقاومة الشعبية بالحديدة، قدَّم «عبد الرقيب» استقالته من «رئاسة الأركان» احتجاجاً عل ذلك، كسب تأييد كثيرين، وتوالت الرسائل عليه تثنيه عن قراره.

ومن مفارقات القدر أن الاستاذ أحمد محمد نعمان عندما غادر القاهرة صوب بيروت بداية الحصار، تبعه «العمري» إلى المطار، وأهانه وأهان تاريخه النضالي أمام الجميع، وحين صرح «النعمان» من بيروت مُعترضاً على الحرب الأهلية، أتهم بالخيانة العظمى، وجرد من جنسيته، وقامت قيامة «العمري» ولم تقعد، فيما الضباط الكبار «الخونة»؛ أو بمعنى أصح «بلدياته»؛ عادوا يسرحون ويمرحون، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة؛ دون أن يعترض طريقهم أحد.

رغم ذلك، عمل «النعمان» على تهدئة الموقف، وبعث برسالة خالدة لـ «عبد الرقيب» وزملاءه جاء فيها: «إلى الذين منحهم القدر فرصة نادرة ليحملوا فيها السلاح، بعد أن عاش آباؤهم قرونا لا يحملون سوى المحراث، إلى هؤلاء أتوجه بالرجاء طالبا ألا يضيعوا الفرصة التي منحهم إياها القدر، وأن يحسبوا لخطواتهم ألف حساب، وأن يكونوا على جانب من الحيطة والحذر، والحكمة والبصر، وعدم التورط في الصراع مع الآخرين».

وأضاف «النعمان»: «إن أمامنا شعوبا مختلفة، تعيش في وطن واحد، لا يفرق بينها رأي ولا مذهب ولا دين ولا لغة، ونحن بالرغم من وحدة الأرض والدين، لا نزال حتى اليوم متفرقين نحارب أنفسنا، ونسفك دماءنا، ونخرب ديارنا، فأي لعنة تحل علينا، وأية همجية ووحشية أفظع مما تحياه بلادنا، اليوم اليمنيون لا تحميهم حكومة مقيدة بنظام، أو ملتزمة بقانون، وإنما تحميهم الصدفة؛ ويحميهم السلاح الذي حصلوا عليه بالصدفة، غير أن هذا السلاح لا يحمي الأغلبية المغلوبة، وإنما يحمي الأقلية المتسلطة، التي تتخذ منه قانونا ودستورا ونظاما للإرهاب والتسلط والارتزاق».

وأردف: «إن الذين لا يفكرون إلا بالسلاح ليستمدوا منه سلطانهم، وليواجهوا به مخالفيهم، ويقاتلوا به إخوانهم ومواطنيهم، ولا يتبادلون إلا طلقات الرصاص بدلا من تبادل الرأي، إن هؤلاء ليسوا سوى عصابات كل همها إشباع غرائزها، لا تؤمن بالعقل، ولا بالمنطق، ولا بالقانون، ولا بالإنسان، والبلد الذي يتحول أبناؤه إلى عصابات، يصبح غابة وحوش ضارية يفترس بعضها بعضا».

عاد «عبد الرقيب» إلى منصبه، وعاد بعودته الصراع؛ «المقاومة الشعبية» حُلت، والتصفيات الجسدية استمرت، وأضحت «الشيوعية» تهمة جاهزة لاعتقال أي مشتبه به، وفي أوج تلك المضايقات، أعلنت قيادة فرع حركة القومين العرب في الشمال بقيادة سلطان أحمد عمر العبسي، باجتماعها الشهير في «الأعبوس»، أعلنت عن قطع علاقتها نهائياً بالمركز في بيروت، وأدانت نهج الحركة الأم مشهرة ميلاد «الحزب الديمقراطي الثوري»، نهاية «يونيو1968»، الذي أقر التزامه بالإيديولوجية الماركسية، وهدد باللجوء إلى القوة، الأمر الذي أدى إلى ملاحقة كوادره، والتنكيل بهم.

مثل انتصار الجمهورين في حصار صنعاء انتكاسة كبرى للسعودية وحلفائها الملكيين، وحين سيطرت الجبهة القومية على الحكم في الجنوب، وبدأت نزعاتها «الماركسية» بالظهور، بدأت المملكة تعيد حساباتها، لم يكن همها المصالحة بين السياسيين، بقدر ما كانت تطمح لتوحيد قبائل شمال الشمال لمواجهة الخطر القادم من الجنوب؛ استغلت الخلاف الجمهوري الجمهوري، فتحت خطوط تواصل مع بعض الزعامات القبلية الجمهورية، وهيأت الزعامات القبلية الملكية للمصالحة، ومهدت لعودتهم تدريجياً، واشترطت على حلفائها الجدد التخلص من أبطال حصار صنعاء «اليساريين» نهائياً، وهو الشرط الذي جاء مُتماهياً وتطلعات الضباط الكبار، وقائدهم «العمري».

في «24يوليو1968» عُقد في «عبس» مؤتمراً قبلياً كبيراً، ضم كبراء مشايخ الهضبة بشقيهم «الجمهوري» و«الملكي»، اتفقوا على تصفية «المقاومة الشعبية»، وتشكيل «جيش قبلي» بديل للفصائل التي سيتم حلها، وعلى الفور بادر الضباط الكبار وبدعم سعودي غير معلن بتشكيل ذلك الجيش، صدر قرار جمهوري بذلك، وزعت الاسلحة الروسية الحديثة عليه، وتحركت قوات الأمن المركزي وقوات من المدرعات لضرب معسكري «المظلات» و«الصاعقة».

في تلك الأثناء أصدر «العمري» قراراً بإقالة علي مثنى جبران واعتقاله، الأمر الذي أغضب «عبد الرقيب» وزملاءه، اصدروا بيان رفضوا فيه تجزئة القوات المسلحة، ودعوا إلى محاكمة «الهاربين»، وعدم التصالح مع «الملكيين»، وحين هددوا بتفجير الموقف، سخر «العمري» منهم، ونعتهم كعادته بأقذع الصفات.

تفجر الموقف «23اغسطس1968»، تبادل «الجمهوريون» القصف المدفعي ولأكثر من «24» ساعة، ، تدخلت القبائل، فكان النصر حليف الضباط الكبار، خسر الضباط الصغار زميلهم النقيب محمد صالح فرحان «قائد سلاح المشاة»، فرض المنتصرون شروطهم، تم اقصاء المهزومين، انتهت ازدواجية السلطة، وصار «العمري» وفريقه متحكمين في كل شيء.

غادر صنعاء عدد كبير من الأفراد والضباط الصغار، إما إلى الأرياف، وإما إلى «الجنوب»، لينخرطوا في معسكرات خاصة هناك، وكان مصير من تبقى الحبس أو التصفية، وفي «10سبتمبر1968» تم نفي «12» ضابط من الرتب الصغيرة، و«10» ضباط من الرتب الكبيرة إلى الجزائر.

الملازم أول محمد مهيوب الوحش «قائد مدرسة المظلات» كان أبرز الضحايا، تم قتله في ميدان التحرير «1نوفمبر1968»، ليشهد ذات الميدان بعد أربعة أيام احتفالاً كبيراً بالذكرى الأولى لـ «5نوفمبر»، حضره القائد الملكي الأبرز قاسم منصر، معلناً انضمامه للجمهورية، وقد شبهه الرئيس عبد الرحمن الإرياني حينها بخالد بن الوليد.

العنف عندما يسود يتحول إلى قانون يستخدمه كل فريق، ثم يستخدمه المنتصرون ضد بعضهم البعض، هكذا لخص الشهيد جار الله عمر المشهد، وهو أحد من تعرضوا للسجن، وأضاف في شهادته على تلك المرحلة: «القوى الجديدة كانت تريد الدفاع عن مواقعها على اعتبار أنها لعبت دوراً رئيساً في فك الحصار، وأن من حقها المشاركة في القرار السياسي، فيما القوى الأخرى كانت ترى أن هؤلاء شباب متطرفون، وأن دورهم بعد الآن سيكون ضاراً؛ ولا بد من تصفيتهم»، واعترف أنهم ـ أي الشباب ـ كانوا يفتقرون إلى القدر الكافي من التجربة، والحنكة، والصبر، وأن الخلاف بين حركة القوميين العرب وحزب البعث، ساهم في تأجيج الصراع.

قبل نهاية العام، عاد الضباط الكبار من الجزائر إلى صنعاء، والضباط الصغار إلى عدن، وفي عدن أصر «عبد الرقيب» الغير مؤطر حزبياً أن يذهب إلى صنعاء، وفي صنعاء قام اتباع «العمري» بتصفيته وسحله، والرقص على جثته، بميدان التحرير «25يناير 1969»، تدخل قاسم منصر حينها، وقال مقولته المشهورة: «حمي عليكم تعبثون بجثة بطل حرب شعوب» ـ يقصد المعركة التي انتصر فيها «عبد الرقيب» عليه بداية الحصار ـ ثم جاء الشيخ أحمد علي المطري وكسر «غمد جنبيته»، ودعاهم باسم القبيلة إلى إكرام جثة الشهيد ودفنه.

لم يكتف حكام صنعاء الجدد بذلك؛ بل ارسلوا حملة عسكرية صوب منطقتي «الحجرية» و«المواسط» بمحافظة تعز، تم نسف منازل المتهمين بـ «الشيوعية»، واعتقال عدد منهم، فكانت تلك الأحداث الذريعة الأولى لتبني خيار الكفاح المسلح، وبالفعل تشكلت «منظمة المقاومين الثوريين» مع حلول الذكرى الثانية لاغتيال عبد الرقيب «25 يناير1971»، ودعت إلى اسقاط السلطة في الشمال، واستعادة الأراضي المحتلة من قبل السعودية، ومقاومة سلطة الإقطاع والبرجوازية، تأثرت بالأفكار «الجيفارية» و«الماوية»، وجعلت من الأرياف نقطة انطلاق لعملياتها العسكرية.

اندلعت المواجهات في المناطق الوسطى، ما دفع السلطات لتسيير حملة عسكرية كبرى «فبراير1972» بقيادة محمد الارياني، وإبراهيم الحمدي، وعدد من شيوخ القبائل، حظي الجيش الشمالي «نظامي ـ قبلي» بدعم سعودي مُعلن، تهاوت تحصينات «المقاومين الثوريين»، استعاد نظام صنعاء نهاية ذلك العام اغلب المناطق، لتستعر المواجهات بوتيرة أشد نهاية العام التالي.

أُعلن في «11فبراير1976» عن تشكيل «الجبهة الوطنية الديمقراطية» من اتحاد خمس قوى يسارية، هي: «الحزب الديمقراطي الثوري»، و«منظمة المقاومين الثوريين»، و«حزب الطليعة الشعبية»، و«حزب العمل اليمني»، و«اتحاد الشعب الديمقراطي»، كما دخل في بعض الفترات «الناصريين» و«السبتمبريين»، ليمتد نشاط الجبهة عسكرياً من «الضالع» إلى «عنس»، ومن «الوازعية» مروراً بـ «شرعب» و«العدين» حتى «ريمة»، وسياسياً شملت معظم المناطق الغربية والوسطى.

كان صراع المناطق الوسطى محل خلاف القيادة في الجنوب، حتى روسيا نفسها لم تكن راضية عنه، وكانت تراه جنوناً صينياً متطرفاً، ودعت إلى تطبيع العلاقات بين الشطرين، وهي حقيقة كشفها جار الله عمر، وعبدالباري طاهر، وقد أرجع الأخير استمرارية المواجهات إلى أن الجناح الأقوى في الدولة كان مع خيار الكفاح المسلح، بل أن سالم ربيع علي، وعلي عنتر، كانا من أبرز الداعمين لهذا الخيار، قاد الأخير عدة معارك، وقيل إنه وصل إلى «مريس» و«دمت»، وأحياناً إلى تخوم «يريم»، وفي المقابل كان عبد الفتاح اسماعيل، وعلى ناصر محمد، من ابرز المعترضين.

ساهمت الخطوات الوحدوية بين الرئيسين «سالمين» و«الحمدي» في التهدئة، اتفقا على إلحاق عناصر «الجبهة» العسكريين بـ «الجنوب»، دب الخلاف؛ وشهدت «الضالع» مواجهات بين الرفاق راح بسببها حوالي «30» مقاتلاً جبهوياً، ليعود الصراع إلى سياقه المعتاد عقب مقتل «الحمدي».

انسحب عبد الله عبد العالم بقوات المضلات من صنعاء «28ابريل1978»، وانسحبت قوات اخرى بعد فشل الانقلاب الناصري «15اكتوبر» من ذات العام صوب الجنوب، انضم البعض إلى صفوف «الجبهة»، وانخرط البقية في صفوف الجيش الجنوبي، ومع نشوب الحرب الشطرية «فبراير 1979» زادت حدة المواجهات الجبهوية، وكانت صنعاء حينها على وشك السقوط.

بعد إزاحة «فتاح»، وصعود علي ناصر محمد «ابريل1980»، ابتدأت جولة جديدة من المواجهات، كانت الأعنف، عمل الرئيسان «ناصر» و«صالح» على التخلص من بؤر التوتر، اتفقا نهاية العام التالي على قطع الدعم عن الجبهة، وإيقاف بث إذاعتها من الجنوب، قاد الأخير حواراً مع قادتها، على اعتبار أن الخلاف اصبح «شمالي ـ شمالي»، صدرت صحيفة «الأمل»، استمر مسلسل الاغتيالات، فشل الحوار، وعادت لغة الرصاص لتلعلع من جديد.

دخلت الجبهة الاسلامية «إخوان مسلمون ـ مشايخ قبليون» على الخط «مارس 1982»، لتدور أعنف المعارك في «مايو» و«يونيو» من ذات العام، ولولا هذا التدخل الجبهوي المضاد، المدعوم سعودياً ما انتصر جيش «صالح»، وما رفعت الجبهة الوطنية راية استسلامها منتصف الشهر التالي.

يعزوا قياديون في الجبهة إلى أن تخلي الجنوب عنهم كان من أبرز أسباب هزيمتهم، ويتهمون «ناصر» و«صالح» بالتآمر عليهم، قام الأخير في «أغسطس» من ذات العام بحل الجبهة، معلناً تأسيس المؤتمر الشعبي العام، كتنظيم أوحد، لمَّ شتات الفرقاء، واحتضن جميع المُتناقضات.

قد يعجبك ايضا

جاري تحميل التعليقات...