الأصنوم.. وانتفاضة الكرامة

بلال الطيب :

حِكايـة ثورية رائعة، تشربت عناوينها المُلفتة مُنـذ صغري، وحين وجـدتها مُبعثرة الجوانب، قررت الإيغال في لم شتات تفاصيلها، مُستعيناً هذه المرة بفيض الأمكنة، ابتدأت الوقائع من الوهلة الأولى تنساب إلى مسامعي طرية عذبة، مَشحُونة بـ «التباهي»، مَحفُوفة بـ «الغبطة»، لحظتها قلت في خاطري عن هذه الثورة المُختلفة: إنها المجد الذي ورثه الجميع، وعمل لأجله الجميع.

نحن اليمانيين جُبلنا على أن كرامتنا فوق كل شيء، وإن كانت هذه الكرامة قد رضخت، وبعثر بهيبتها فوق التراب، بفعل جبروت الطغاة من بيت «حميد الدين» وأسلافهم، الذين استغلوا جهل الشعب المُشبع بالثقافة الدينية البسيطة، وأوهموهم أنهم يحكمون بأمر الله، وأن طاعتهم والرضوخ لاستبدادهم من طاعة الله، وفق تبريرات خادعة، كانت أساس سلطتهم، ومصدر قوتهم.

كانت تصرفات «العُكفة» عساكر الإمام، تثير الرعب والخوف والغضب عند كثيرين، وكان الصبر على أذاهم سمة دائمة، تدور في بوتقة طاعة الله، وطاعة ولي الأمر، وفي حال تجاوزت تلك التصرفات الرعناء ما لا يستسيغه العُرف، ولا التدين البسيط، كان التَمرد والثـورة.

ما حَـدث في «صَنِمات»، وهي إحدى عُزل مُديرية المِسراخ «جبل صبر»، في «إبريل» من العام «1920»، من ثورة أو تَمـَرَّد، تـدور في ذات المسار الذي اشرنا إليه أنفاً، ومبعثها تصرفات رعناء، قام بها حوالي «40» فرداً من عساكر الإمام، أرسلهم «عامل صبر» حسين جباله، لجمع واجبات الجبل، إلا أن أولئك العسكر خرجوا عن السياق المعهود لـ «المأموريات»، إلى سلوكيات أكثر شذوذاً، نفذ عندها «الصبر»، وتوقفت «الطاعة»، وثارت «الكرامة».

ذات مساء، وأولئك العسكر مازالوا مقيمين في عدد من دور «صنمات» العتيقة، «نوبة المصرع، ودار النكر، وبيت السقيفة، ودار النجادي»، استخف قائدهم حمود الرداعي بالمواطن محمد العقور، وطلب منه أن يرسل إليه زوجته كي تدلك له قدميه، تلقى «العقور» الطلب الفاجعة ببرود شديد، مجيباً بالقبول؛ وأنه سيجلب السمن البلدي ـ أداة التدليك ـ بكلتا يديه.

«الانتقام» لحظتها كان هو القرار الوحيد الذي كتمه «العقور» في نفسه، وما أن أبلغ أهله وذويه، حتى قُرعت الطبول، وذُبحت الذبائح، وكأن عُرساً سيُقام، الحشود توالت من المناطق المجاورة، والعسكر منتظرين للعشاء وتدليك الأقدام، وبذات السكاكين التي ذبحت بها أثوار الوليمة، فُصلت رؤوس «العُكفة» عن أجسادهم، ثم وضعت بكبرياء فوق مائدة عشاءهم الأخير، الذين هموا بتناوله لتوهم، ولم ينجو من ذلك الموت المحقق، سوى عسكري وحيد، نكلوا به، وأرسلوه مخضباً بدمائه إلى من يهمه الأمر.

يفتخر أبناء «صنيمات» بانتفاضتهم تلك، ويتناقل الجميع أحداثها باعتزاز يشوبه ألم، خاصة عند من عايشها عن قرب، فهذا الشيخ الطاعن بالسن عبده أحمد الحيدري «125 عاماً تقريباً» ـ هكذا كانت حِسبته – التقيته قبل عشر سنوات، تجاعيد الزمن المرسومة على جبينه جعلتني رؤوماً، خلت البسمة والحديث شاقاً عليه، لكنه تبسم وتحدث لي، وأطلعني بصعوبة على جميع التفاصيل المُرتبطة بذات المكان، وإذا ما نسي شيئاً ذكره من حوله من الأبناء والأحفاد، وما عليه إلا أن يؤكد أو ينفي، وإن كانت أغلب أحداث هذه التناولة مُستقاة منه، إلا أن ضرورة التدقيق جعلتني أستثني ما لا يتوافق مع مصداقية البحث والتقصي، ولعل ألأروع في حديثه حين صارحني: «أن كل شيء يهون إلا الكرامة».

الرواية الرسمية «المتوكلية» لتلك الثورة، حرَّفت أسبابها، وأغفلت عفويتها، وشيطنت من قاموا بها، أتت بمبررات واهية تتفق وردة الفعل الانتقامية الآتي ذكرها، بل أن عبدالكريم مطهر، المؤرخ الرسمي للإمام يحيى، وفي نقله لأحداثها، جعل منها ثورة منظمة، وقال في كتابه «كتيبة الحكمة» أن أبناء «صنمات» استغلوا توجه عساكر الإمام من تعز إلى زبيد، لإخماد إحدى التمردات هناك، وقاموا بانتفاضتهم تلك.

يقول «مطهر»: «ولما توجه أكثر الجند من تعز إلى زبيد، بقي الأمير ـ يقصد علي الوزير ـ في قلة من العسكر، ولم يكن حينئذ إحساس لأقل شر، فاغتنم ذوو النفاق فرصة تلك الحال، وأوحوا إلى شيطانهم ما أوحوا من شر الأقوال».

ثم يمضي «مطهر» في نقل تفاصيل الحادثة، بكلام إنشائي مُمل، تكرر في كتابه مرات عديدة، إلى أن قال: «فإنها سولت لهم أنفسهم الشيطانية الإقدام على العسكر المذكورين، واغتيالهم أقبح اغتيال، والتمثيل بهم بعد التالي منهم على ذلك، وكانت فتكة شنيعة، اضطرب لها حبلُ الأمن في جبل صبر جميعه، لا في صنمات فقط».

تلقى «أمير تعز» النبأ الرهيب بذهول شديد، وفي ذلك قال «مطهر»: «فلم يشعر الأمير، وهو بتعز مقيم، إلا بما كان من أهل صنمات من البغي والعدوان، ومتابعة الشيطان، وإقدامهم إلى اغتيال العسكر.. وتحير الأمير لقلة ما لديه من الجند، وخطر الحال، وما رآه من الجد، وقد أظهر أولوا النفاق ما في ضمائرهم من الإفساد، وأكثروا الإرجاف والإبراق والإرعاد، فلم تكن لديه من وسائل الدفاع غير الفزع إلى الله تعالى، والابتهال إليه في حفظ بيضة الإيمان بكمال الانقطاع».

كان علي الوزير خائف من ثورة كبرى تقتلعه من تعز، ولأن له تجربة مريرة مع سكان جبل صبر، الذين استقبلوه حال وصوله ـ العام الفائت ـ بثورة عارمة هدَّت كيانه، بادر أول ما بادر بإرسال ما لديه من العساكر ـ رغم قلتهم ـ كلفهم بالانضمام إلى حسين جبالة «عامل صبر»، الذي رابط في إحدى القرى الحصينة، وأرسل معهم أحد المدافع السريعة، وبذلك توقف اختلال الجبل، وانحصر التمرد على «صنمات».

لم يكتفِ «أمير تعز» بذلك، بل أرسل إلى «عامل إب» طالباً النجدة، ومن إب ومن مناطق مختلفة جاءه المدد، وفي ذلك قال «مطهر»: «فلم يمض غير أيام قلائل، إلا وقد وصلت إلى تعز الجنود من إب وسواها، وكلما وصلت طائفة أرسلها الأمير مدداً للسابقين، فاجتمعت العساكر في الجبل، ووجه الأمير همته إلى إمدادهم بما يحتاجون إليه من الذخائر والأزواد، وأناط كل طائفة بأمير، وأحكم في ذلك التدبير، ثم أمر الجيش بالتقدم من جهات مختلفة على صنمات».

أستعد أبناء «صنمات» لحرب طويلة الأمد، تحصنوا في حصونها المنيعة، التي قال عنها «مطهر» بـأنها «في غاية الحصانة والمناعة، وأبنيتها تناطح النجوم رفعة، وتماثل الجبال تشييداً وإحكاما»، ملأوها بالحبوب والأقوات، ولولا ضربات المدفعية المتتابعة، لصمدت أكثر، ولطال صمودهم، ولطردوا الغزاة، ونكلوا بهم.

يقول «مطهر»: «فأقبل إليهم الجند الإمامي كالسيل المتدافع، وفتح الحرب عليهم، وضربت دورهم بالمدافع، فهدمت منها المشيد، وأسمعتهم من أصواتها صوت الصواعق المُبيد. وبادرتهم الجنود كالعقبان الكواسر بالهجوم، لا يبالون بما يمطرونه عليهم من رصاص بنادقهم، ولا بما يرسلونه من الأحجار، إلى أن قبضوا بعض الدور، وانحصر الباقون في باقيها».

حين أدرك من تبقى من الثوار بأن لا طاقة لهم بمواجهة ذلك الجيش الجرار، تسللوا هاربين في جنح الظلام، وفي ذلك قال «مطهر»: «فعلموا حينئذ أنهم لا طاقة لهم بالصبر على هذه الحرب الضروس، ولا بملاقاة هجمات المجاهدين، وقد أنزلوا بهم كل بؤس، وقتلوا منهم عدة، وأخذوا منهم بثأر من قتلوهم في أوجز مدة، فدافعوا عن أنفسهم إلى أن أسبل الليل أستار ظلامه، وانسلوا من طرق لا يعرفها سواهم».

استباح أولئك العسكر بعد ذلك «صنمات»، وما حولها من قرى، افرغوا الشعاب من الأنعام، والمدرجات الزراعية من المحاريث، والمدافن من الحبوب، وصادروا جميع الأسلحة والذخائر من المواطنين، وفي ذلك قال «مطهر»: «واحتوى المجاهدون على أموالهم، وأرضهم، وقراهم، واستأذنوا في قلع قاتهم، وهو شيء كثير.. فقلعوه من أصوله، ثم أمر مولانا الإمام بهدم دورهم التي كان فيها جرأتهم على العصيان، وفعل ما يغضب الرحمن، وشدد الإمام في ذلك، فمكثت أيدي الخراب تعمل في تلك المباني مدة غير قصيرة، إلى أن ألحقت بالعدم».

ومما تحفظه ذاكرة العوام، أن نساء «جبل صبر» كُن يُرددن في الشعاب «ملالاة» شعبية، تُصور تلك المعاناة، تقول إحداها:
وابو ينا كم نفذوا عساكر
على صُنامه يقبضوا الميازر

المهام النضالية لأبناء «صنمات» لم تتوقف عند حدود تلك الثورة، فالاستباحات المُطلقة لممتلكات الرعية، جعلت كثير من الشباب المُتحمس، والمُهجر قسراً، يضيق ويتذمر، فكانت تحدث بين الفينة والأخرى مناوشات وتحرشات استنزافية، كلفت المُحتلين الشيء الكثير، وعن ذلك قال «مطهر»: «وبعد فرارهم ظنوا أنهم سيتمكنون من إنزال الضرر على المجاهدين، بالطروق ليلاً، والتردد على تلك الأطراف، فضبطت الأطراف، ولفظتهم الأطراف جميعها، ولم يتوصلوا إلى شيء».

مالم يعترف به «مطهر»، أن الجلاء التام لأولئك العسكر تحقق بفعل تلك الضربات الموجعة، المتبوعة أصلاً بـ «هَجر» قبلي، ثور للإمام، وثور لـ «العُكفة»، لتنقشع بذلك صفحة مظلمة عاشها أبناء «صنمات» لشهور، عاد بعدها غالبية السكان إلى قراهم، فيما استقر بعضهم في «عبدان» شرقي صبر، ولا زالوا هناك حتى الآن، ولم يسمح للعائدين ببناء منازل جديدة، إلا بعد موافقة الإمام.

يقول «مطهر»: «وأذن مولانا الإمام لهم بعمارة مساكن لهم، تليق بهم، وانقضت فتنتهم التي أحرقتهم، وصلحت الأحوال، وعادت الأمور إلى مجاريها بفضل الرب المتعال».

في خمسينيا ت القرن الفائت، وبعد انقشاع تلك الغُمة بأكثر من ثلاثين عاماً، أختلف أحد أبناء «صنمات» مع اثنين من عساكر الإمام ـ أحمد هذه المرة ـ تدخل الرعية حينها لنصرة صاحبهم المظلوم، ضربا «العُكفيان» ضرباً مبرحاً، وكسروا بندقيتهما، ونكلوا بهما، فكانت تلك الحادثة ذريعة ناجزة للإمام، بأن ينكل بهم، ويتفنن في إذلالهم، ورغم الفارق الكبير بين أسباب الحملة السابقة وهذه، إلا أن الأخيرة كادت توازي الأولى في البطش، وفظاعة الانتقام.

كان الطاغية أحمد يسمي أهل «صنمات» بـ «الأصنوم»، وكان يكن لهم شديد الكره، وعظيم الاحتقار، وما أن وصله خبر ذلك الاعتداء، حتى وجه بإرسال حملة عسكرية قوامها «500» مقاتل، قسمها إلى فرقتين، وجعل عليها «عاملين» من عماله، لكل واحد منهما أفراده وطريقه، أطبق الجمعان كطرفي كماشة على «صنمات»، من الأعلى ومن الأسفل، وفرضا عليها حصاراً من جميع الجهات، دخلوها بصعوبة، ولم يغادروها إلا بعد أن عاثوا فيها كعادتهم نهباً وخرابا.

إنَّ الثورات المنظمة التي قادها أهل العلم والدراية، هي من حظيت بالاهتمام، وما دونها من ثورات عفوية ارتجالية، محصورة في مناطق معينة، فإنها ـ وعلى كثرتها ـ لم تحظَ بالدراسة والتوثيق، إلا ما ندر، ومن هذا المنطلق تبقى الدعوة مفتوحة لأولئك المفتونين بالتاريخ، الباحثين في أغواره عن كل جديد، أن يخوضوا غمار البحث والتقصي عن جميع التفاصيل الثورية المنتصرة للكرامة، كتلك التي حدثت في «صنمات».

قد يعجبك ايضا

جاري تحميل التعليقات...