الشهيد عيسى محمد سيف والانقلاب الأبيض

عبد الباري طاهر :

كان العام 1978م بداية تفاقم «الأزمة الشاملة» في اليمن شمالاً وجنوباً. ففي هذا العام قُتِلَ الزعيمان الوطنيان: إبراهيم محمد الحمدي في الشمال، والزعيم سالم ربيع علي في الجنوب، والقصة معروفة ومنشورة.

كان الشهيد إبراهيم الحمدي الأقرب للتيار الناصري. فقد كان التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري المعبر بعمق عن طبيعة حركة الــ13 من يونيو 74، وقد تبوأ التيار القوي الشاب مراكز مرموقة في مفاصل الدولة.

اهتم الحمدي، ومعه التيار الناصري، وبمستوى معين بعض شباب الأحزاب اليسارية الماركسية الحديثة بقضية بناء الدولة – الدولة العصرية الحديثة-؛ دولة النظام والقانون، وهي الهدف والشعار الرائس لحركة يونيو.

اتجهت الحركة للدعوة للإصلاح المالي والإداري، وإقصاء مراكز القوى المشائخية والقبلية، وإعادة بناء الوحدات العسكرية، والاتجاه للتعاون الأهلي- جسر التواصل مع مختلف قرى ومناطق اليمن-، ومد جهاز الدولة والخدمات العامة إليها كالطرقات، والمدارس، والمراكز الصحية، ومياه الشرب، وإدارة الدولة .

حققت الحركة إنجازات باهرة في ربط المواطن بالدولة بدلاً من القبيلة والمشيخة، وبدأ التنسيق بين الزعيمين الوطنيين. كان التيار الناصري- التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري-، وقيادته الشابة بزعامة المناضل عيسى محمد سيف- الأمين العام للتنظيم-، وسالم محمد السقاف- الأمين العام المساعد-، وعبد السلام مقبل، ومحمد إبراهيم الشوافي جزءاً من تركيبة النظام.

ذكاء الشباب الناصري مدهش وربما يعود الفضل لعيسى ورفاقه البررة؛ فقد تعاملوا مع اغتيال قائدهم بحكمة وجلد عكس رد فعل أحزاب اليسار التي صعدت الكفاح المسلح في الوسطى، ووزعت بيانات ضد الاغتيال، والدعوة لإسقاط النظام، في حين كان التنظيم يعمل على تشكيل جبهة 13 يونيو، وهذه الجبهة ذات الطابع العسكري في الأساس هي من تولى التحضير لانقلاب 15 أكتوبر 78 .

عيسى محمد سيف- ابن قرية الأشروح؛ عزلة قدس – تعز، المولود عام 1943 – درس الابتدائية والإعدادية في عدن. وفي مدينة تعز أصبح النجم الطلابي وسط نفوذ اليسار الماركسي منتصف الستينات من القرن الماضي شديد المواجهة والتحدي.

كان الجدل والحوار حد الصدام أحياناً بين الطلاب الناصريين والماركسيين حيناً، وبين الطلاب الناصريين والقوميين والماركسيين في مواجهة تيار الإسلام السياسي في أحايين كثيرة.

الأعزاء: حسن العديني، وغازي المفلحي، وعلي محسن حميد، وفوزي العريقي أفضل من يؤرخ ويوثق لهذه المرحلة.

درس عيسى في مصر الاقتصاد السياسي، وقد واصل نشاطه النقابي الطلابي والثقافي والسياسي من خلال تيار الوحدوي الشعبي الناصري. عمل مع رفاقه في التيار على تأسيس رابطة للطلاب في القاهرة وفي الكويت.

في القاهرة كانت الرابطة المركز الأهم لنشاط الطلاب الناصريين. أصدروا مجلة «اليمن» التي صدر منها عدة أعداد، وقامت الرابطة بأنشطة ثقافية وسياسية ونقابية طلابية واسعة، كما تبنت بجهد نظري قوي للمثقف الواسع الاطلاع عيسى – حوارات ضافية مع السياسيين اليمنيين، ومع الطلاب الماركسيين، ومن الاتجاهات المختلفة، ودافع الطلاب الناصريون، وعيسى تحديداً، عن انقلاب حركة الــ13 من يونيو.

بعد الحركة أسهموا بجهد واسع في مسعى الحمدي لتحديث جهاز الدولة، وكان حضورهم كبيراً في مختلف مجالات الحياة .

الخلافات الطلابية بين البعث والناصريين ظلت حاضرة حتى بعد زوال أسبابها ودوافعها، كما أن الخلافات بين الناصريين والماركسيين بقيت كما هي، وقد اشتدت بعد حركة يونيو 74 بسبب الخلاف السياسي بين النظامين في الشمال والجنوب، والخلافات الأيديولوجية بين الاتجاه القومي والماركسي.

يوم انقلاب الـــ 15من أكتوبر 1978 كنت مطلوباً للاعتقال؛ فقد شملت الاعتقالات القوميين: الناصريين، والبعث، والماركسيين. اختفيت ما يقرب من عامين. تابعت المحاكمات الجائرة والطغيانية التي تعرض لها عيسى ورفاقه: السقاف، وعبد السلام مقبل، ومحمد أحمد إبراهيم الشوافي، وعلي محمد السنباني وناصر المحويتي وآخرون.

استغل علي عبد الله صالح المحاكمات المفتقرة لأبسط قوانين العدالة بعد التعذيب الشنيع لأبطال الانقلاب الذي لم تُرق فيه قطرة دم، وتم إعدام هؤلاء الأبطال إلى جانب قيادات حزب الوحدة الشعبية: سلطان أمين القرشي، وعلي مثنى جبران، وعبد الوارث عبد الكريم، وعلي خان، وعبد العزيز عون وآخرين.

اندهشت لثبات عيسى ومقدرته الفائقة في الدفاع عن رفاقه، وتحمله كامل المسئولية عن إصدار القرار بالانقلاب، فقد كان- يرحمه الله- مثالاً أعلى للتضحية والفداء والشجاعة والصدق.

قد يعجبك ايضا

جاري تحميل التعليقات...