الفنان عبدالباسط عبسى.. رحلة في إبداعه الغنائي

عارف الدوش

من أين أبدأ في الكتابة عن عبد الباسط عبسي .. من عبد الباسط الفنان المتعدد المتنوع المؤتلف إبداعاً فنياً من حيث اللحن والصوت الشجي الفريد.. أم من عبد الباسط الأغاني والكلمات المختارة بعناية.. أم من عدد الشعراء الغنائيين الذين غني لهم عبد الباسط .. أم من عبد الباسط الإنسان العصامي المثابر رقيق المشاعر رهيف الإحساس صاحب الروح الصافية النقية والقلب الكبير والمخزون الكبير من الحب والحنان والأشجان.. أم من عبد الباسط الوجدان المشبع بالدندنة ونغمات الأوتار وألحان وأهازيج الريف التعزي المتعدد المتنوع من أهازيج وملالاه المرأة الريفية التي كلها حب وغرام وشجن وعتاب ولوعة واشتياق لفراق الحبيب وبعده عن أرضه وحوله وسبوله .. أم من عبد الباسط أهازيج البتول وملالاته في الحقول والسواقي والشعاب.. أم عبد الباسط الحب واللوعة والشجن التهامي .. أم من عبد الباسط الفرادة واللحن الشجي والتراث الصنعاني .. أم من عبد الباسط أغاني الوحدة حلم وحقيقة على أرض الواقع .. أم من عبد الباسط من أغاني العزة والسيادة لليمن الأرض والإنسان .. أم من عبد الباسط بوح الوجدان الصوفي في قصائد السماع الصوفية والتواشيح والابتهالات في الموالد الصوفية متعددة المناسبات طوال العام في تعز وريفها وغيرها من مناطق اليمن مثل ( المولد النبوي – الشعبانية – سابع المولود- عزاء الموت – أفراع الأعراس – النذور – دخول منزل جديد – موالد الحوليات أو ما يسمى ( الجمع الصوفي لفلان من الأولياء والصالحين )

قلت لكم أن الفنان الكبير صاحب الصوت الشجي و الإحساس المرهف عبد الباسط عبسي متعدد ومتنوع الإختيارات والخيارات .. متعدد الألحان والقصائد الغنائية .. متعدد شعراء الغناء .. متعدد ألوان الغناء اليمني الأصيل .. متعدد بتعدد وتنوع اليمن بأرضها وتراثها وجغرافيتها وطقسها ..

عبد الباسط اهتمامه بالمرأة يعكس مكانتها لديه

الفنان عبد الباسط عبسي أبن بيئته ولد وترعرع في قرية بني علي الأعبوس وتفتح عقله وذهنه ووجدانه على بيئته ليرى أن المرأة هي التي تعمل وتقوم بأعباء كثيرة في البيت والأرض تربي الأولاد وتربي معهم المواشي الأبقار والأغنام والدجاح لتكتفي ذاتياً من منتجاتها من اللحوم والسمن والبيض .. وكذلك لتكون الأبقار وذكورها (الأثوار) وسيلة لحرث الأرض .. وكانت ولازالت المرأة الريفية سواء في ريف تعز أو أرباف اليمن الأخرى تعمل بالأرض في مواسم الزراعة التي تبدأ بإصلاح الأرض ثم تسويتها للزراعة من حيث قلب التربه ثم تسميدتها بمخلفات الأبقار والأغنام التي تجمع طوال العام ثم زراعة الأرض والاهتمام بها طوال موسم الزراعة لتجني المرأة ثمرتها سبولا وحبوباً تخزنها لتعيش منها وأولادها واسرتها طوال العام بينما يكون الرجل مغتربا بعيدا عنها في المدن او خارج الوطن .. وكانت الأسر الريفية في تعز وغيرها من أرياف اليمن تعتمد اعتمادا ذاتياّ على معيشتها من الأرض ومما تنتجه ومن المواشي ومما تنتجه

وكانت المرأة الريفية في تعز وفي أرياف اليمن الأخرى تبذل جهود متواصلة بشكل يومي وطوال العام فأصبحت المرأة في ريف تعز وكل أرياف اليمن امرأة عاملة منتجة تستحق الاهتمام بقضاياها سواء فيما يتعلق بقضايا عملها كمرأة منتجة أو بقضايا أشجانها ولوعتها وحبها ومعاناتها لفراق زوجها وحبيبها كون أبناء الأعبوس والحجرية عموماً وأغلب أبناء ارياف اليمن كانوا يهاجرون هرباً من قمع السلطات الحاكمة وبحثاً عن لقمة العيش كون مناطقهم جبلية وعرة شحيحة المطر ولا تفي ثمارها الموسمية من الحبوب لمعيشتهم طوال العام برغم ما تبذله المرأة في الريف من اهتمام بالأرض زراعتها .

هكذا نشأ وترعرع الفنان صاحب الصوت الشجي والمشاعر الجياشة عبد الباسط عبسي ليجد نفسه امام نساء القرى وهن يعملن ويعشن معاناة اغتراب أزواجهن فكان من الطبيعي وهو صاحب الحس المرهف والأحاسيس الرقيقة ان يهتم بقضايا المرأة الريفية ويختار قصائد الشعر الغنائية التي تعالج قضاياها وتتحدث عن أشواقها لوعتها وحنينها .لأن للمرأة مكانة كبيرة في نفسه وقلبه ووجدانه.. ولأن المرأة الريفيةخصوصا في ريف تعز عانت كثيراً وتحملت من الهموم كثيراً لذلك فقد حرص الفنان المحبوب عبد الباسط عبسي من خلال أعماله على التفاعل مع آلامها وهمومها ومعاناتها. وزاد أن وهبه الله تعالى فوق رهافة الحس صوتاً شجياً وقدرة على التقاط أحاسيس المرأة الريفية و بزوغ أنوار الصباح ونسيماته وشروق الشمس وجمال الضحى وكذلك جمال غروب الشمس وبدء دخول الليل ووحدته وأوجاعه بالنسبة للمرأة الريفية المفارقة للمحبوب والعاملة في الارض والبيت في ظل غياب الرجل .

في ظل ما سبق وكون الإنسان ابن بيئته كتب الشعراء الغنائيون قصائدهم ورزق الله الفنان عبد الباسط عبسي موهبة أن يلحن القصائد الغنائية التي يختارها .. أقول يلحن بنفسه القصائد الغنائية التي غناها- ليست كلها بالطبع – ولكن اغلبها . وكان ولازال ينتزع ألحان أغانيه من التراث الشعبي التعزي الأصيل ومن ملالاه المرأة الريفية وأغانيها التي تبث فيها لوعتها وحبها وسهدها وشجونها وحرقتها على حبيبها الغائب فأصبح الفنان المحبوب عبد الباسط عبسي مدرسة متميّزة من مدارس الغناء اليمني في العصر الحديث .. حيث غنى للراعية وللمطر ولمواسم الزراعة المختلفة وللمغتربين ونقد في كثير من أغانيه الظلم والإجحاف الذي يتعرّض له المزارع اليمني وبعض المظاهر الاجتماعية الخاطئة مثل غلاء المهور والظلم الذي تتعرّض له المرأة اليمنية ومزج في كثير من أغانيه بين هذه الألوان وبين اللون العاطفي .

ومنذ بداية السبعينات من القرن العشرين الماضي وحتى اليوم والى ما يشاء الله وأغاني الفنان المحبوب عبد الباسط عبسي تطرب الناس النساء والرجال بمختلف الأعمار ومنها : مسعود هجر وخلف المصائب – متي واا راعية شمطر – مظلوم معك – وقمر غرد ما عليك من هم خلك معك وانت بقربه تنعم – يا هاجسي – عروق الورد -لموحبيت – كم فؤادي في هواكم معذب.. ايت قلبي لا هواكم ولا حب – بردان .. بردان اين الحب يدفيني – من مبسم الفجر – يا حب يا أرضي ويا سمائي – يا صباح الباكر – هاتوا لقلبي كل طل الصباح هاتوه واسقوا عيوني كل حسن الملاح واسقوه – الليل وبلبل دنا – من غيل الأعناب – يا طائر الدان – بخطرته من قبالي – خطر قبالي والمليح يُعرَف – أشتي أسافر بلاد ما تعرف ألا الحب – من الضحى – أذكرك والسحايب يغمزين للشعير– يا ورود نيسان يا شذى حبي ريم من ظمران قد سبى لبي – أمرّ الكؤوس – وا جولبه جولبي – طعمه قبل وحلا طعمه قبل قات المثاني على ماء الجبل – ياخضبان وردك جماله ثاني وطعم ريقك يسلب الغواني – حسنك لعب بالعقول – شرسل معك وا مكتب – سيل الحب ………. الخ من الأغاني الكثيرة والحيز هنا ليس لحصرها وإيران اسمائها .

والفنان المحبوب عبد الباسط عبسي في أغلب اغانيه أختار القصائد الغنائية – وهو الذي كان يغلب عند اختياره قصائد أغانيه موضوع القصيدة ومضمونها على اسم الشاعر .. لذلك تعامل مع عدد كبير من الشعراء الشباب منهم صفوان المشولي وعبده حمود الرجاني وآخرين بالإَضافة إلى تعامله مع عدد من عمالقة الشعر الغنائي اليمني مثل عبدالله عبدالوهاب نعمان الفضول والدكتور سلطان الصريمي الذ شكل معه ثنائي مبدع وكذلك محمد عبد الباري الفتيح وآخرون كثر ليس هنا المجال لحصرهم ..
وقدأختار الفنان عبد الباسط عبسي القصائد الغنائية التي تتحدث عن المرأة في ريف تعز بالذات واليمنية بشكل عام .. تتحدث عن المرأة وكدها وعرقها وتعبها باعتبارها المرأة العاملة المنتجة .. تتحدث عن حبها ولوعتها وأحزانها وشوقها وما تعانيه من ألام فراقها لحبيبها وتحملها المتاعب والمشاق بدلاً عنه في تربية الأولاد وزراعة الأرض وتربية المواشي ومتاعب وألام شطف العيش .. وهكذا وجدنا الفنان المحبوب عبد الباسط عبسي يغلب على أغانية الاهتمام بالمرأة .. لكنه أيضاً الفنان المتعدد المتنوع فقد غنى للمرأة وغنى للأرض وللمغتربين المهاجرين ولليمن والوحدة اليمنية ولسيادة اليمن وعزتها ومجدها وغني للثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر وغنى الموشحات و قصائد السماع الصوفية
( قصائد الموالد) كما هي بألحانها .

وصفه الدكتور سلطان الصريمي عام 2003 عند تكريمه في مؤسسة العفيف الثقافية بأنه “ولد مكتملاً”. واستطاع أن يتبادل الحب مع جمهوره من أول لقاء جمعهما مما جعل الفنان عبسي يتحمل أعباء المسؤولية الفنية النبيلة والارتقاء بها، وذلك من أول أغنيه له مع الأستاذ محمد الباري الفتيح”.

قد يعجبك ايضا

جاري تحميل التعليقات...