النَّاصر والأقيال المُستعبدين

بلال الطيب :

مات «الهادي» يحيى بن الحسين، وتَرك وراءه دُويلة آيلة للسقوط، لا إمام لها قَوي يَلُّم الفرقاء، ويُرضِي الأتباع، ولا مَال لها كثير يُساعد على البقاء، ويَكفي الأشياع، أنصارها مُتذبذبون، ومُهاجروها ـ «الطبريون» ـ مُتحكمون، وعلويوها مُتسيدون، وفي الجهة المقابلة ثمَّة «قرامطة» مُتربصون، يتمددون في كل الجهات.

رفض محمد بن «الهادي» يحيى تولي الإمامة بعد وفاة أبيه، وما قبلها بداية العام «299هـ» إلا على مضض، بذريعة مُحاربة «القرامطة»، كانت له معهم حُروب كثيرة، حقق بعض الانتصارات عليهم، واقتصر حكمه على خولان، وهمدان، ونجران، لُقب بـ «المرتضى»، واشتهر بـ «جبريل أهل الأرض».

بعد أن ساءته أمور من عشيرته، تنحى «المرتضى» عن الإمامة «21 ذي القعدة 299هـ»، وقال في معارضيه: «فلقد ركبوا في أمرنا الشاذ، وغاروا فينا الأعماق»، صَرَّف عُماله عن همدان ونجران، وسرَّح «الطبريين» إلى بلادهم، ولزم منزله في صعدة، وجعل على ذات المدينة بعضاً من أقاربه.

أمام ذلك الفراغ، راسل أنصار الزيدية شقيقه أحمد، الذي كان حينها مُقيمٌ في جبل الرس، وخاطبوه في إحدى رسائلهم: «هذا دين جدك محمد رسول الله مهتوك، والإسلام مُستباح مفضوح، وقد كان أبوك الهادي الى الحق يحامي دونه، ويجاهد أعداءه.. ومالك لا تنهض في أمر الله، وتحكم بسنة رسول الله، وتجاهد أعداء الله.. ونحن لك طاعة، ومَعك عدة وسند، وقوة نصر بين يديك، ونجاهد من عند عن طاعتك، ونُذل من أرادك، ونَصدم من قابلك، والله عز وجل يتولاك وينصرك».

بعد أخذ ورد، ومُراسلات كثيرة، قبل أحمد دعوتهم، عاد إلى صعدة، وتولى الإمامة فيها «8 صفر 301هـ»، وقال في ذلك: «حتى رعوا قلبي إلى كلامهم، وصدق جملة مقالهم، ورغبت في طاعة ربي، وثواب خالقي، فقمت في طاعة الله مُفوضاً أمري الله، وناصراً لدينه، وقائماً بحكمه، ومجاهداً لمن عَنِدَ من أهل الشرك والردة، والكفر والعنة عن طاعته، حتى يعز الإسلام بنا، ويقوم الحق بأسبابنا، ويكون ظهوره أولاً وآخراً بدعوتنا، فنهضت على هذا السبيل مدعواً لا داعياً، وناصراً للدين، لا للإمامة مُدعياً، ولا بالإمارة متسمياً»

تلقب الإمام الجديد بـ «النَّاصر»، وبايعته قبائل «خولان بن عامر»، ثم قبائل «همدان، ونجران»، ووقف الشاعر إبراهيم التميمي في حضرته مَادحاً:
من ذا يفاخر أولاد النبي ومن
هذا يداني إلى أنسابهم نسبا
لولا الإله تلافانا بدينهم
لما فتئنا عكوفاً نعبد الصلبا
لا يصلح الدين والدنيا بغيركم
ولا يقال لمن سامى بكم كذبا

«الإمامة الزيدية» في عهد «النَّاصر» أحمد كانت مُستقرة نوعاً ما، استطاع بسط نفوذه على خولان وهمدان ونجران، تماماً كأخيه، وملك الجوفين، وكانت له فيها مزارع كثيرة، وذكر صاحب «اللآلئ المضيئة» أنها حوت له «300» من الأثور السود.

مكّن «النَّاصر» أقاربه من المناصب المهمة، وطلب المدد كأبيه من «طبرستان»، وحارب القبائل التي عارضته، وكانت أولى حروبه مع ابني الدعام «شيخ بكيل»، اللذين قاما بطرد عامله من مدينة «عرو ـ الجوف» إلى جبل «المراشي ـ برط»، هزمهما إلى جبل نهم، واستمر بمطاردتهما إلى عدة مناطق، ليعلنا بعد عامين ولائهما له.

وفي الجهة المقابلة، كان «شيخ حاشد» أحمد بن الضحاك وزيره الناصح، وصاحبه الصدوق، أرسله في العام «303هـ» إلى «عذر، والأهنوم، وظليمة، وحجور»، لإرجاع أصحابه سكان تلك الجهة عن مذهب «القرامطة»، وحين أبوا، توجه «النَّاصر» إليهم بنفسه، أرجعهم إلى حضيرة دولته، ولكن لبعض الوقت.

بالعودة إلى علي بن الفضل، فإنه عاد إلى عاصمته مُذيخرة، وجعل على صنعاء أسعد بن يعفر، بعد أن تصالحا، خطب له الأخير، وقطع ذكر العباسيين، اطمأنت المدينة في أيامه، حتى جاءه طبيب من بغداد، أكرمه، واتفق معه على قتل «ابن الفضل»، كان ذلك «15 ربيع الآخر 303هـ»، فدانت لأسعد معظم البلاد، عدا صعدة.

لم تنتهِ شوكة «القرامطة»، ولم يخفت ذكرهم، ظل حضورهم في بعض المناطق الشمالية الغربية طاغياً، تمددوا إلى حوث، فخرج «النَّاصر» لقتالهم «محرم 305هـ»، إلا أنه لم ينتصر عليهم، وفي ذلك قال صاحب «أنباء الزمن»: «وما زالت الحروب قائمة في أكثر الجهات، وسحائب الفتنة ممتدة في أغلب الأوقات».

في أواخر «شعبان» من العام «307هـ»، حصلت واقعة «نغاش» في جبل «عيال يزيد»، وهي معركة شهيرة وفاصلة، تجاوزت قوات «القرامطة» فيها الـ «7,000» مقاتل، فيما اجتمع لـ «الناصر» حوالي «1,700» مقاتل، جلهم من همدان «حاشد، وبكيل»، لم يشاركهم القتال، بل جعل عليهم صاحبه «ابن الضحاك»، وكاتب سيرته عبدالله بن عمر الهمداني، وآخرين.

تحصن «القرامطة» في قصر «الحمدي»، وفيهم صاح صائح من معسكر «النَّاصر» قائلاً: «يا مَعشر القرامطة، أنتم تزعمون أنكم شيعة لآل محمد، وأنكم لهم أنصار، فما بالكم قابلتوهم بجيوشكم.. وإني أدعو دعوة وأبتهل إلى الله عز وجل في قبولها: اللهم بعزتك وسلطانك وامتنانك.. من كان منا ومنكم مُبغضاً لمحمدٍ وآل محمد فأهلكه اليوم..»، فردوا عليه بأصوات عالية: آمين.. آمين.

كانت هزيمة «القرامطة» في تلك الواقعة مُنكرة، خسروا فيها «1,500» من مقاتليهم، وعنها وعنهم قال كاتب «سيرة النَّاصر»: «لقد شهدت الحروب وعاينتها مذ بلغت الحلم، فما رأيت يوم كيوم نغاش أكثر قتلى، من أعداء الله القرامطة.. فلقد سمعت للدماء خريراً كخرير الماء إذ هبط من صعود».

وكان الغطريف بن الضحاك الصائدي يقاتل وهو يرتجز:
سيدنا النَّاصر بادٍ علمه
مثل الهلال زينته أنجمه
همدان في كل مغار تقدمه
طراً وخولان جميعاً تخدمه
لا بد من حصن اللعين نهدمه
ونستحل ماله ونعيمه
وفي غد نبصر مالا نعلمه
من أخذ مال بالقرآن نقسمه

نجا قائد «القرامطة» عبدالحميد الحجاج من الموت، وفرَّ وأصحابه إلى «حلملم» إحدى قرى الأشمور، ومنها إلى جبل مسور معقل «الاسماعلية» الحصين، وهناك حاصرهم «النَّاصر» إلى بداية العام التالي، راسلوا إبراهيم الحرملي ـ أحد قواد «آل يعفر» ـ بذلوا له الأموال، فأنجدهم على الفور.

كي لا يثير غضب أسعد بن يعفر؛ انسحب «النَّاصر» بقواته إلى صعدة، وفي الأخيرة توفي شقيقه «المرتضى» محمد «7 محرم 310هـ»، ليطلب «القرامطة» في منتصف ذات العام الهدنة، نالوها، إلا أن الحرب بينهم و«آل يعفر» لم تتوقف، واستمرت حتى أواخر العام «319هـ».

كانت علاقة «النَّاصر» أحمد بـ «آل يعفر» مُتوترة بعض الشيء، صحيح أنهما اتحدا لمحاربة أشياع «ابن الفضل»، الذين أرادوا الانتقام لمقتل زعيمهم، إلا أن عدم الوفاق كان هو السائد، ولـ «النَّاصر» قصيدة خاطب بها أسعد بن يعفر توضح تلك العلاقة، وتلخص فكره ومنهجه، جاء فيها:
إذا جمعت قحطان أنساب مجدها
فيكفي معدّاً في المعالي محمد
به استعبدت أقيالها في بلادها
وأصبح فيها خالق الخلق يعبد
وسرنا لها في حال عسرٍ ووحدة
فصرنا على كرسيّ صعدة نصعد
ولا منبر إلاّ لنا فيه خطبةٌ
ولا عقد ملكٍ دوننا الدهر يعقد

كانت آخر حروب «النَّاصر» مع الأمير حسان بن عثمان آل يعفر «5 جماد الآخر 322هـ»، قدم الأخير إلى صعدة لنُصرة «اليرسميين» ـ وهم بطن من همدان ـ في حربهم مع «الأكيليين»، وهي الفتنة التي جعلت «النَّاصر» يلزم منزله لبعض الوقت، خاصةً بعد أن أصبح طرفاً فيها، وناصبه «اليرسميون» العداء.

أتت قبائل «خولان بن عامر» لنصرة «النَّاصر»، إلا أنها لم تُغنِ عنه شيئاً، كانت هزيمته خارج مدينة صعدة ماحقة، قُتل أخوه الحسين، وعمه الحسن، وعدد من أنصاره، وقبل تلك المعركة، وقيل اثنائها، مرض مرضه الأخير، ومات بعدها بتسعة أيام، ودفن بجوار والده وأخيه.

ذكر «الخزرجي» أن ثورة «الهمدانيين» على «النَّاصر» كانت بسبب استنجاد «لسان اليمن» الحسن الهمداني بهم، ومن سجن ذات الإمام، ونُقل عنه قوله مُخاطباً إياهم:
خليلي إني مخبرا فتخبرا
بذلة كهلان وحيرة حميرا
عذيري من قحطان إني مشتك
عواديكما ظلما وخذلا فانكرا
وأصبحت مأسوراً بأيدي معاشر
رضاً لهم بأقبح ذا متذكرا

بعد هزيمة «الناصر» ووفاته، اجتاح حسان بن يعفر مدينة صعدة، فيما غادرها العلويون مذعورين، منهم من توجه إلى القبائل المُناصرة لهم، ومنهم من توجه إلى أسعد بن يعفر، أنجدهم الأخير، فما كان من حسان إلا أن ولى هارباً إلى نجران «7 رمضان 322هـ».

عاد العلويون إلى صعدة، وعاد بعودتهم الصراع، حرب طاحنة دارت بينهم و«اليرسميين»، انتصروا فيها، لتبدأ بانتصارهم صفحة قاتمة لصراع دموي استمر لسنين، كان أحفاد «الهادي» الطامحون أبطاله، وكانت القبائل المُتصارعة ـ المُساندة لهذا الإمام أو ذاك ـ وقوده، وكانوا جميعاً ضحاياه، وبسببهم تحولت «دويلة الإمامة» إلى عصابة يتلقفها الأدعياء، ولم تُخلف سوى الخراب.

قد يعجبك ايضا

جاري تحميل التعليقات...