مآثم الفاضل المُستباحة

بلال الطيب :

ما من إمام «زيدي» إلا وطلب من أنصاره ـ حال قيامه ـ بأن يدعموه بأموالهم، تأكيداً لصدق ولائهم، كان «الهادي» يحيى بن الحسين سَباقاً في ذلك، أضحت تصرفاته مُهابة عند من تبعه من الأئمة أكثر من القرآن نفسه، وهذا جعفر العياني خاطب مُستفتيه ذات يوم قائلاً: «ولولا ما ذكره أئمتنا عليهم السلام من الواجب علينا؛ لما تعلقنا بمال مُحرم، ولا دخلنا أبداً في مأثم»، ليَخسر بسبب مطامعه حياته.

قبل التعمق في تلك التفاصيل أكثر، وجب التذكير بحادثة مقتل علي الصليحي على يد «النجاحيين»، وأخذ زوجته أسيرة، وهي الانتكاسة التي كادت تصيب «الدولة الصليحية» في مقتل، لولا «المُكرم» أحمد، الذي ثأر لأبيه، واستعاد أمه، وتصدى بحزم لجميع التمردات القائمة.

تجسد التَمرد «الزيدي» بظهور داعيَين في وقت واحد، الأول يدعى حمزة بن الحسن «أبي هاشم»، والآخر ـ من تقدم ذكره ـ «الشَريف الفَاضل» القاسم بن جعفر العياني، قام الأول بتحريض من «بني شهاب»، ولقي حتفه في أول مواجهة له مع «الصليحيين»، علي يد عامر الزواحي «21 ذي الحجة 459هـ / 29 نوفمبر 1067»، بوادي «المنوي ـ أرحب»، بعد «40» يوماً من مقتل «الصليحي».

كان مع «أبي هاشم» في معركته الأخيرة حوالي «8,000» مقاتل، وقيل ضعف ذلك، جُلهم من قبائل «بكيل، ونهم، ووداعة»، تركوه في قلة من أنصاره، بعد أن لقي «800» منهم مَصرعهم، ومعهم ولده، و«70» شيخاً من «همدان»، وفي مقتله قال أحد شعراء «المُكرم»:
فصرعن بالمنوى منكم سيداً
قرماً ولم يسمح به أن يصرعا
ملك لو أن بني سليمان معاً
وزنوه يوماً لم يوازن إصبعا

في تلك الأثناء، كان «الشَريف الفَاضل» عائداً لتوه من الحجاز، بعد تسع سنوات من الابتعاد، لتصله فور وصوله مدينة صعدة رسالة من أخيه محمد الشهير بـ «ذي الشرفين»، طالباً منه مناصرة الإمام حمزة، وبينما هو مُنهمك بتجميع الحشود، وصله نبأ واقعة «المنوى»، فقرر حينها أمام تحفيز مناصريه، خوض غمار مواجهة «الصليحيين».

جدد «الفاضل» دعوته مُحتسباً، بعد أن أوهم أنصاره بظهور «المهدي المنتظر»، مُستجلباً حكاية عمه «المهدي» حسين العياني، كبح «المُكرم» ـ المُنشغل حينها بمحاربة «النجاحيين» ـ جماحه، ثم صالحه، واعترف له بنفوذه على مناطق «بكيل، ووداعة»، بعد أن أخذ ولده محمداً كرهينة.

في الوقت الذي انتصر فيه «المُكرم» على «النجاحيين»، نقض «الفاضل» الصلح «461هـ»، ليقوم الأول فور عودته من زبيد باستعادة معظم مناطق «اليمن الأعلى»، بعد عدة معارك، كانت واقعة «ذيبين» أشهرها، وهي معركة فاصلة، قُتل فيها خمسة من «آل العياني»، فيما ولى كبيرهم هارباً إلى الجوف.

ما كان لـ «الفاضل» أن يتجرأ وينقض ذلك الصلح؛ لولا تحريض «النجاحيين» ـ قبل هزيمتهم ـ له؛ بل أنَّ سلطانهم جياش بن نجاح كان يرسل له بـ «1,000» دينار شهرياً، الأمر الذي حفزه على أن يمدحه بقصيدة طويلة، جاء فيها:
بجياش شددت العزم حتى
بلغت من العداة به مُرادي
مددْتُ بماله باعي فنالت
نواصي الظالمين على البِعاد
وأشعلت النيار بكل نجد
وداركت المغار لكل واد

ذكر بعض المؤرخين أنَّ علي بن حمزة «أبي هاشم» أعلن نفسه ـ بعد مقتل أبيه ـ مُحتسباً، وعنه قال حفيده عبدالله بن حمزة: «وجاهد في الله عزَّ وجل احتسابا لا سبقا، ولو أدعى له السبق لكان غير بعيد منه، ومدت إليه الأعناق»، وقيل أنَّ رسالة وصلته من أحد أئمة «جيلان»، تحثه على القيام بأمر اليمن، إلا أنَّه لم يفعل.

في تلك الأثناء قدِم من العراق أبو الفتح الديلمي، ولا ندري هل مفرج الربعي ـ وهو مؤرخ عاصر تلك الأحداث ـ يَقصد «الديلمي» السابق ذكره، أم شخص آخر، وبما أنَّ سيرتهما مُختلفة، فربما يكونان أقارب، وصل «الديلمي» أول ما وصل إلى بلاد «ضاعن ـ حجة»، ثم توجه إلى «تنعمة ـ خولان العالية»، ليتخلى عنه أنصاره فور علمهم بمقدم «الصليحيين»، فما كان منه إلا أن توجه إلى الجوف.

وفي الجوف ناصر القادم الجديد «الفاضل» في حروبه الدفاعية، وشهد معه أكثر من واقعة، ليفترقا في مواجهة «الصليحيين» كلٌ له جهته، وقد كانت نهايته قتيلاً في «الفقع ـ حوث»، حزَّ «الصليحيون» رأسه، وخلَّد «ذو الشرفين» ذكره في قصيدة طويله خاطب بها قاتليه، نقتطف منها:
قتلتم بني الزهراء عمداً قطعتمُ
بذيبين والمنوى حبال التواصل
وبالفقع والمخلاف أيضاً قتلتم
أبا الفتح يُهدي رأسه شرُّ حامل

بالتزامن مع هروب «الفاضل» إلى الجوف، استفتح أخوه «ذو الشرفين» شهارة، فنُسبت إليه، أسماها بـ «الحضرة العالية»، وصارت معقله الحصين، ليتوجه «المُكرم» أحمد بداية العام «462هـ» إليها، حاصرها لخمسة أشهر، ودارت على تُخومها حوالي «70» واقعة، كان آخرها مَعركة «أقر»، التي قتل فيها «900» فرد، أغلبهم من «الصليحيين».

هُزم «الصليحيون»، وانسحبوا إلى صنعاء، وجعلوا من جبلة عاصمة لهم، لتُعلن معظم قبائل «اليمن الأعلى» ولاءها لـ «الفَاضل» وأخيه، سيطرا على صعدة «رمضان 463هـ»، ثم توجها صوب «شظب ـ السودة»، وأوغلا فيها قتلاً، وأسراً، كما أحرقا مدينة «باري ـ حجة»، وأخذا جبل مسور «رمضان 464هـ»، وأنشئا فيها داراً لضرب العُملة، بعد أن جمعا الفضة من الأتباع والأقارب.

كما وصلا أكثر من مرة إلى تُخوم صنعاء، وأذلا سكان قبائلها المجاورة، وأخذا سبعة أعشار أموالهم، لينجحوا بعد ذلك في تشديد الحصار عليها «شعبان 466هـ»، حتى مات بعض سكانها من الجوع، وقد طلب «ذو الشرفين» حينها النَجدة من بني عمومته قائلاً:
وقد صارت جيوشي حول صنعا
وصار لمن أعاديه ضجيجُ
ألا هل في البقية من شريك
وهل أحدٌ إلى ثأرٍ محوجُ
وهل للخيل من أبناء عمي
بني حسن إلى نهجي نهوجُ

كان «الفاضل» جريئاً في أخذ أموال الناس، وحين سأله أحدهم عن جواز ذلك، استدل بتصرفات مماثله لمن سبقه من الأئمة: وقال: «ولولا ما ذكره أئمتنا عليهم السلام من الواجب علينا؛ لما تعلقنا بمال مُحرم، ولا دخلنا أبداً في مأثم»، وأضاف: «وأنا أرى أن أجبر الناس على اثنتين، لسلامة اثنتين، يجبرون على الجهاد بالنفوس والأموال، دون الحريم والأديان»، وأقسم بأن أخذ تسعة أسهم مما في أيدي الناس؛ أصلح لهم وأعدل من أن يتخلى عن الأمر.

بعد سبع سنوات من الحكم، تخلَّت القبائل فجأة عن مناصرة «الفَاضل»؛ بل وحاربته؛ بسبب الجبايات الباهظة التي كان يفرضها عليهم، ولأسباب أخرى، منها: أنَّ «المُكرم» أحتوى الأمير حسين بن أبي الفتح الديلمي إلى صفه، وأرسله إلى قبائل «بكيل» لتثبيطها عن مناصرة الأخوين، وهو ما كان.

حين أيقن «الفاضل» بعدم مقدرته على مواجهة تلك القبائل، اعتزلهم، وتوجه مطلع العام «468هـ» إلى الجوف، وهناك تحول إلى مزارع في «ضيعة عمران»، قسمها لثلاثة أقسام، قسم له ولأخيه «ذي الشرفين»، وقسم لـ «بني نهم»، وقسم لـ «بني نِشْق»، و«بني الدعام».

لم يُعجب ذلك التقسيم «البكيليين»، فقتلوا «الفاضل» ضرباً بالعصي «23 صفر 468هـ / 5 أكتوبر 1075م»، وهو عريانٌ يغتسل بـ «غيل الخارد»، وعمره حينذاك «57» عاماً، وكان قاتله جابر بن عزيز يقول لمن معه: «اضربوا شريفكم يا بيض الأعناق»، وفيهم قال مفرح الربعي:
وليس لهم بمن قتلوا بديلاً
ولا وزروٌ إلى غير الحِمامِ
ومن أيام ذي الشرفين حربٌ
يشيب لهولها رأس الغلامِ

قاد «ذو الشرفين» في منتصف العام التالي أنصاره لمحاربة قاتلي أخيه، أروى غليله، وشفا غيظه، وفتك بالكثير منهم، رغم أنهم كانوا دعامة جيشه، ليعود بعد أن هادن «الصليحيين» إلى شهارة، طامحاً في الحكم والإمارة، وهو ما كان.

نقض «الصليحيون» الصلح، وتوغلوا بدعم من قبائل «بكيل» شمالاً، حتى وصلوا إلى سفوح شهارة، إلا أنَّ «ذا الشرفين» مُسنوداً بقبائل «خولان بن عامر» استعاد زمام المبادرة، فكسر زحفهم، وفرق شملهم، وماهي إلا أشهر معدودة حتى أعلن أخوه «سنان الدولة» أحمد من صعدة تمرده عليه، دارت بينهما حروب كثيرة، انتهت بالصلح.

كان «ذو الشرفين» كسلفه جريئاً في أخذ أموال الناس، وعنه قال «الربعي»: «سألت الأمير الأجل ذا الشرفين بعد ذهاب الشريف الفاضل عن الحُجة في جواز هذه الجبايات، فقال: ما كنت أظن أحداً أن يسألني عن هذه المسألة»؛ واستغرابه هنا يدل على أنها صارت أمراً واقعاً، سبق البت فيه.

داهم بعد ذلك «ذا الشرفين» المرض وبشدة، فأقعد فكره، وثبط تطلعاته، وظل طريح الفراش إلى أن مات «23 محرم 478هـ / 19 مايو 1085م»، عن «47» عاماً، وقد شهد قبل وفاته بأنَّ عمه الحسين هو «المهدي المنتظر»، وأنه حي سوي، حتى يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، وأوصى بأن يُسلم كتاب منه إليه بعد وفاته، ولقبه بـ «أمير الغضب، وقائد العصب».

آلت الأمور بعد وفاة «ذي الشرفين» لولده جعفر، الشهير بـ «عمدة الإسلام»، ويعد الأخير آخر الأئمة من «آل العياني»، الذي أغفل معظم المؤرخين ذكره، وقيل أن حُكمه لم يدم طويلاً، والسبب صراعه مع طامحين كُثر من ذات الأسرة، لتدخل «الإمامة الزيدية» بعد ذلك مرحلة الإنكماشة الكبرى، حتى وصلتها من بلاد فارس دعوة؛ أعادت إحيائها من جديد.

قد يعجبك ايضا

جاري تحميل التعليقات...