37.1 C
الجمهورية اليمنية
9:03 مساءً - 30 مايو, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

هادي.. رجل التوافق الذي هزمته الحروب والمؤامرات

بشرى العامري:

برحيل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، تطوى صفحة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وحساسية في تاريخ اليمن الحديث، مرحلة امتزجت فيها الآمال الكبيرة بالتحديات الهائلة، والفرص الضائعة بالأخطاء المكلفة.

وصل هادي إلى السلطة عام 2012 كرئيس توافقي للمرحلة الانتقالية بعد ثورة 2011 الشبابية والمبادرة الخليجية، حاملاً إرثاً ثقيلاً من الأزمات والانقسامات السياسية والعسكرية.

 فاز في الانتخابات الرئاسية التوافقية بنسبة تجاوزت 99% لقيادة مرحلة انتقالية كان يفترض أن تعيد بناء الدولة على أسس جديدة.

غير أن هادي لم يتسلّم دولة مستقرة أو مؤسسات متماسكة، بل وجد نفسه أمام شبكة معقدة من مراكز النفوذ والصراعات المتراكمة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والإدارية. فقد واجه منذ الأيام الأولى لتحمله المسؤولية تحالفاً غير معلن ثم معلناً بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح وجماعة الحوثي، وهو التحالف الذي عمل بصورة منهجية على إعاقة المرحلة الانتقالية وإفشال مخرجاتها السياسية.

وبينما وجّه البعض له لاحقاً اتهامات بتسليم الدولة للحوثيين أو التواطؤ معهم، فإن الوقائع السياسية والعسكرية تشير إلى أن هادي كان أول من وُضع في مواجهة مباشرة مع مشروعهم الانقلابي، وانتهى الأمر بمحاصرته في منزله بصنعاء وإجباره على الاستقالة تحت الإقامة الجبرية قبل أن يتمكن من الفرار إلى عدن وإعلان تمسكه بالشرعية الدستورية.

كما أن الاتهامات التي حمّلته مسؤولية سقوط محافظة عمران ومقتل العميد حميد القشيبي تتجاهل طبيعة موازين القوى آنذاك، وحجم الاختراق الذي كانت تعانيه مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، فضلاً عن وجود مراكز نفوذ نافذة كانت تدير المشهد بعيداً عن سلطة الرئاسة المباشرة.

ومن أكثر القضايا التي أُثيرت حول عهده مسألة إعادة هيكلة القوات المسلحة، حيث اتهمه خصومه بأنه تسبب في تدمير الجيش الوطني. غير أن الواقع يشير إلى أن قرارات الهيكلة جاءت استجابة لمطالب الثورة الشبابية والمبادرة الخليجية، وبدعم إقليمي ودولي واسع، بهدف إنهاء الانقسام داخل القوات المسلحة وإخراجها من دائرة الولاءات العائلية والشخصية إلى إطار المؤسسة الوطنية.

فالقوات المسلحة آنذاك كانت منقسمة بين مراكز قوى متعددة، وتخضع أجزاء كبيرة منها لقيادات مرتبطة بالنظام السابق أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة. ولم يكن الهدف من الهيكلة تفكيك الجيش، بل إعادة بنائه على أسس وطنية حديثة، إلا أن الانقلاب الحوثي وما أعقبه من حرب شاملة حالا دون استكمال هذا المشروع.

وخلافاً لما عرفته اليمن في مراحل سابقة، لم يُعرف عن هادي سعيه إلى توريث السلطة أو بناء مشروع عائلي للحكم، كما لم يرتبط اسمه بخطاب مناطقي أو سلالي أو إقصائي. فقد جاء إلى الرئاسة في إطار تسوية سياسية انتقالية، وغادرها دون أن يترك خلفه وريثاً سياسياً أو عسكرياً من أسرته، وظل مشروعه المعلن قائماً على بناء دولة اتحادية تتسع لجميع اليمنيين، بغض النظر عن انتماءاتهم المناطقية أو القبلية أو السياسية.

ومع ذلك، فإن نزوعه الدائم إلى التوافق والتهدئة، رغم ما حمله من إيجابيات، كان في نظر كثيرين أحد الأسباب التي أضعفت قدرته على مواجهة خصوم أكثر تنظيماً وحسماً في لحظات مفصلية من تاريخ البلاد.

تميّز هادي كما هو اسمه بشخصية هادئة وبعيدة عن الخطاب التصعيدي، وكان أقرب إلى رجل التوافقات منه إلى رجل الصدامات.

وراهن منذ البداية على الحوار السياسي كوسيلة لحل الأزمات، فدعم انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي جمع مختلف القوى السياسية والاجتماعية اليمنية، وأسفر عن وثيقة تاريخية اعتُبرت من أهم مشاريع بناء الدولة الحديثة في البلاد، وانتهت بإعلان مشروع الدولة الاتحادية الفيدرالية متعددة الأقاليم، بوصفه حلاً جذرياً لمشكلات المركزية والصراعات المزمنة التي أنهكت البلاد.

وخلال سنوات حكمه اتخذ قرارات اعتبرها كثيرون خطوات سيادية مهمة، من أبرزها إنهاء اتفاقية إدارة ميناء عدن مع شركة موانئ دبي العالمية، بعد سنوات من الجدل والاتهامات بإضعاف دور الميناء الاستراتيجي.

وألغيت الاتفاقية عام 2012 وأعادت تشغيل الميناء تحت الإدارة اليمنية.

كما ارتبط اسمه بإيقاف بعض الاتفاقيات المثيرة للجدل في قطاع الطاقة، والسعي لإعادة النظر في عدد من الملفات الاقتصادية السيادية، إلى جانب خطوات لإعادة تنظيم الإدارة المحلية، وإعلان أرخبيل سقطرى محافظة مستقلة عن محافظة حضرموت، في إطار توجهات توسيع اللامركزية الإدارية.

ومن أبرز محطات عهده أيضاً تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة محمد سالم باسندوة، والتي أدارت البلاد في واحدة من أصعب المراحل السياسية والأمنية والاقتصادية التي عرفها اليمن، وسط انقسامات حادة وأزمات متراكمة وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة.

غير أن هذه الحكومة وجدت نفسها منذ يومها الأول أمام عراقيل هائلة، تمثلت في استمرار نفوذ مراكز القوى المرتبطة بالنظام السابق لصالح داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن تصاعد نفوذ جماعة الحوثي وتمددها العسكري خارج إطار الدولة.

وخلال تلك الفترة، واجهت الحكومة عمليات تعطيل ممنهجة للعديد من قراراتها وإصلاحاتها، فيما كانت تلك القوى الرافضة للتغيير تعمل على إفشال المرحلة الانتقالية وإظهارها بمظهر العاجز عن تلبية تطلعات المواطنين. وبرغم الصعوبات، تمكنت الحكومة من الإشراف على واحدة من أهم المحطات السياسية في تاريخ اليمن الحديث، وهي انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي جمع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، وانتهى إلى توافقات واسعة حول شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي.

لكن بينما كانت مختلف القوى السياسية تستعد للتوقيع النهائي على وثيقة مخرجات الحوار الوطني وترجمة مشروع الدولة الاتحادية إلى واقع دستوري ومؤسسي، ينهي جميع الخلافات المتراكمة منذ سنوات، كان تحالف الحوثيين وصالح قد اختار مساراً مختلفاً.

فبدلاً من الاحتكام إلى التوافق الوطني، اتجه نحو استخدام القوة العسكرية المفرطة لقيادة انقلاب كبير سعى لإسقاط مؤسسات الدولة والسيطرة على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، لينقلب بذلك على العملية السياسية برمتها وعلى التوافقات التي شاركت مختلف القوى اليمنية في صياغتها.

وقد مثّل ذلك الانقلاب نقطة التحول الأخطر في تاريخ اليمن المعاصر، إذ أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتعطيل مسار الانتقال السياسي وإدخال البلاد في حرب طويلة وصراع دموي ما تزال آثاره مستمرة حتى اليوم.

ويرى كثير من المراقبين أن المسؤولية الأساسية عن إفشال المرحلة الانتقالية وإجهاض مشروع الدولة الاتحادية تقع على عاتق التحالف الذي جمع الحوثيين وصالح، بعدما اختار الاخير السلاح بديلاً عن السياسة والانقلاب بديلاً عن الشراكة الوطنية، في تفكير انتقامي بشع لمغادرته السلطة وعزله عنها.

لكن في المقابل، لم يكن سجل هادي خالياً من الإخفاقات، فقد أخذ عليه كثير من أنصاره وخصومه على حد سواء العديد من الملاحظات التي سببت ضعفا في قيادته للدولة وتدني ادائها أهمها التردد في اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات المفصلية، وتأخره في معالجة اختلالات داخل مؤسسات الدولة والجيش، فضلاً عن اعتماده على شخصيات أثبتت الأحداث لاحقاً ضعف كفاءتها أو انشغالها بالمصالح الشخصية أكثر من المصلحة الوطنية.

كما يرى منتقدوه أن أكبر أخطاء المرحلة تمثل في عدم العودة السريعة إلى الداخل بعد تحرير عدد من المحافظات الجنوبية من سيطرة الحوثيين عام 2015، وترك إدارة المعركة السياسية والعسكرية من الخارج لفترة طويلة، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد وإضعاف مؤسسات الدولة الشرعية على الأرض.

ومن النقاط التي ستظل محل جدل أيضاً صمته الطويل عن كثير من الملفات والأسرار المتعلقة بمراحل حكم سابقة، كان فيها قريبا من الرئاسة بحكم منصبه كنائب للرئيس نحو ١٧ عاما، واكتفاؤه أحياناً بالتلميح إلى وقائع خطيرة دون الكشف الكامل عنها للرأي العام. وبرحيله، تُدفن معه شهادات كان كثير من المواطنين يأملون أن تسهم في توضيح حقائق مهمة من تاريخ البلاد الحديث، وتركت المجال واسعا للتخمينات وإثارة الاقاويل التي قد تكون كثيرها شهادات زائفة أو احاديث ملفقة.

ورغم كل ما يقال عن تجربته، فإن من الصعب إنكار أن مشروعه السياسي الأبرز ظل يتمثل في بناء يمن اتحادي موحد، لا يقوم على التوريث أو احتكار السلطة أو إقصاء الخصوم، بل على الشراكة وتقاسم السلطة والثروة بين مختلف المناطق والمكونات، وكسر الهيمنة المركزية على السلطة وثروات البلاد لفئة بعينها دون بقية ابناء الوطن الكبير.

لقد واجه هادي انقلاب الحوثيين على الدولة، وشهد انهيار العملية السياسية والحرب التي مزقت البلاد، لكنه ظل حتى سنواته الأخيرة متمسكاً بخيار الدولة الاتحادية باعتباره المخرج الوحيد من دوامة الصراعات التاريخية.

وربما تبقى أكثر المشاهد إيلاماً في رحيله، أنه لم يُدفن في عدن التي أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد، ولا في مسقط رأسه بمحافظة أبين، ولم تُشيّعه جنازة عسكرية تليق برئيس دستوري منتخب وقائد أعلى للقوات المسلحة برتبة مشير، ولم يسجى جثمانه بعلم اليمن الذي سعى جاهدا ليظل مرفرفا فوق سماءها..

رحل هادي بصمت بعد سنوات عزلة سياسية تاركاً خلفه إرثاً سيظل محل جدل بين من رأى فيه رجل التوافق والحوار الذي حاول إنقاذ البلاد من الانهيار، ومن حمّله مسؤولية الإخفاق في مواجهة التحديات التي عصفت بالدولة.

 لكن المؤكد أنه غادر المشهد كما عاشه في سنواته الأخيرة بعيداً عن الأضواء، حاملاً معه حلم الدولة الاتحادية الذي لم يكتمل.

رحل هادي بعيداً عن الوطن الذي أمضى سنوات عمره في خدمته، وغاب الرجل الذي حمل حلم اليمن الاتحادي، بينما لا يزال ذلك الحلم معلقاً بين ذاكرة الماضي وأسئلة المستقبل.

ويبقى تقييم تجربة الرئيس عبد ربه منصور هادي خاضعاً لاختلاف الرؤى السياسية، لكنه سيظل في نظر كثير من اليمنيين وغيرهم رئيساً قاد البلاد في أصعب مراحلها، وحاول أن يجنّبها الحرب عبر الحوار، بينما يرى آخرون أنه لم يمتلك الحزم الكافي لإنقاذ مشروع الدولة عندما كانت الفرصة لا تزال ممكنة.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد