37.1 C
الجمهورية اليمنية
8:11 مساءً - 30 مايو, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

محاولة للفهم… الإشكالية اليمنية

عرفات الرفيد:

   في جلسة طويلة امتد الحديث لساعات مع أصدقاء ارتفعت الأصوات أحيانا وتنقلنا بين السياسة والتاريخ والهوية والصراعات اليمنية وعندما وصلوا إلى نقطة ووقف النقاش وجدت نفسي أسترسل وأحاول الإمساك بخيط يفسر ما يجري في هذا البلد المعقد.

وخرجت من الجلسة بسؤال يرافقني حتى هذه اللحظة هل ما أحمله من أفكار حول المشهد اليمني هو مجرد قناعات تشكلت عبر التجربة والمشاهدة أم أنه قراءة تستند إلى وقائع وأنماط تاريخية يمكن الاعتماد عليها لفهم ما يحدث؟

الخلاصة التي خرجت بها هي أن كثيرا من أزمات اليمن لا يمكن فهمها بأدوات السياسة والاقتصاد أو التكتيك العسكري وحده، بل نحن بحاجة إلى غوص أعمق في سيكولوجية السلطة والولاء وتأمل الأنماط التاريخية التي تعيد إنتاج نفسها بأقنعة مختلفة.

  لعل تحالف الحوثي–صالح بين 2014 -2017 هو النموذج الأكثر دلالة في تاريخ اليمن المعاصر ظاهريا بدا الطرفان على طرفي نقيض صالح الذي مثل شرعية النظام الجمهوري لعقود والحوثيون الذين قدموا أنفسهم كحركة تمرد دينية ومذهبية.

  لكن المشهد كشف أن التناقضات تتبخر عندما تتقاطع مصالح السلطة تحول الخصوم الألداء إلى حلفاء في وقت قياسي قبل أن تنتهي الحكاية بالنهاية الدموية المتوقعة ومقتل صالح على أيدي الحوثيين.

 هذا التحالف لم يكن مجرد براغماتية سياسية، بل كشف عن عِلة أعمق أن الولاء في هذه البيئة واقصد مركزية السلطة في الشمال ليس للدولة أو للمؤسسة، بل لفكرة القوة في حد ذاتها ولمن يملك القدرة على احتكار القرار.

  يرى الكثير أن العقل السياسي في شمال اليمن ما زال محكوما بإرث تاريخي طويل تشكل في ظل أنظمة حكم مركزية وإمامية متعاقبة. في هذه البيئة تنشأ ثقافة ترى في الحاكم أو القائد – أيا كان – مصدر الشرعية الأوحد وفي السلطة غاية ومكسبا لا وسيلة لخدمة المجتمع ولكم في الحوثيين أو كما يحب منظمات المجتمع الدولي تسميتهم بـ سلطة الأمر الواقع في صنعاء .

من هنا نجد تفسيرا لظواهر متجذرة مثل تقديس الفرد سواء كان زعيم، شيخ قبيلة أو قائد جماعة، والتعامل مع معارضته كخروج عن الطاعة وليس كممارسة سياسية طبيعية .

أو النظرة المركزية المتعالية تجاه الأطراف والمناطق البعيدة عن مركز النفوذ التقليدي في صنعاء مما يشوه الخطاب الاجتماعي والسياسي ويزيد من شرخ العلاقات بين المكونات اليمنية.

لقد كان تحالف صالح والحوثيين تجسيدا لهذا الإرث، صالح أراد استعادة نفوذه المفقود بعد 2012 والحوثيون كانوا بحاجة للغطاء السياسي والشبكات القبلية والإدارية التي يمتلكها نظام صالح منح كل طرف الآخر ما يحتاجه مرحليا حتى اختل التوازن فافترسا بعضهما.

   ورغم مقتل صالح على يد حليفه إلا أن الأفكار والأساليب الإعلامية والدعائية التي نمت في مناخ ذلك التحالف لم تمت، ومع التحولات اللاحقة وتحجيم قوات صالح من قبل الرئيس عبدربه منصور هادي ورغم ان الإمارات سعت أن تصنع من قوات صالح التي التحقت بالشرعية القوة الاولى ميدانيا وحضور سياسي مع مشروعها في الجنوب والسيطرة على القرار السياسي بإبعاد الرئيس هادي من المشهد ونجحت في ذلك إلى حد كبير…

 ومع وفاة الرئيس هادي برزت مجددا اعلام تحالف النفوذ وثقافة تمجيد القوة والحاكم للمركز في صنعاء والتقليل والشتم والتشهير لقيادات من خارج مركز القبيلة والنفوذ وظهرت المواقف الرافضة لمشروع اليمن الاتحادي وتلوّن الخطاب السياسي والاجتماعي وظهر البعض عُكفي بلباس المثقف والاعلامي بناء على موازين القوة التي ترفع شعارات الشراكة والوطنية في اوقات الضعف، وتارة يُفرض الإقصاء والاستعلاء في لحظات القوة..

   ينظر خصوم جماعة الحوثي إليها ليس كفصيل سياسي بل كفكرة تسعى لإعادة صياغة هوية الدولة والمجتمع وفق مفهوم الولاية الامامية مستدلين على ذلك بممارسات ممنهجة:

1.أدلجة التعليم: إعادة صياغة المناهج الدراسية لخدمة الرؤية العقائدية للجماعة.

2.التغلغل المؤسسي: تطييف مؤسسات الدولة وتوسيع النفوذ الفكري بداخلها.

3.السلطة الموازية: تهميش العمل المؤسسي لصالح نظام المشرفين واللجان الخاصة.

4.مركزية القرار: حصر القرار السياسي والعسكري في المرشد الأعلى أو كما يسموه قائد الثورة ودائرته السلالية الضيقة.

في المقابل، لا تحتكر الجماعة الحوثية مشهد الصراع على السلطة فهناك مشاريع أخرى تنافس على النفوذ كالمشروع المرتبط بقوات طارق صالح آل عفاش. ويرى منتقدو هذا المشروع أنه ورغم اختلافه مع الحوثيين في المرجعية الأيديولوجية والتحالفات الإقليمية، إلا أنه يلتقي معهم في ذات الجوهر: السعي لإعادة إنتاج نفوذ عائلي وعسكري قديم، والتركيز على بناء مركز قوة يفرض شروطه على الدولة. وبالتالي، يصبح الخلاف بين هذه المشاريع هو خلاف حول “من يحكم” وليس “كيف يُحكم اليمن”.

و تثبت التجارب التاريخية أن المشاريع السلطوية، سواء كانت عقائدية أو عائلية، تمتلك قدرة فائقة على التكيف وإعادة إنتاج أدواتها عبر ثلاثة مسارات متكررة:

•التقية السياسية: استخدام خطاب الشراكة والوطنية أثناء المفاوضات والهدنات، دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية؛

•إدارة الأزمات: توظيف الصراع المستمر كشماعة للحفاظ على التماسك الداخلي وتبرير القبضة الأمنية؛

•الواجهات المستعارة: استقطاب شخصيات من خارج البيئة التقليدية للمشروع لمنحه مظهرا تنوعيا مقبولا أمام المجتمع والدول.

 إن ما خرجت به من تلك الجلسة الطويلة ليس يقينا مطلقا، بل محاولة للفهم…

 الإشكالية اليمنية اليوم لا تكمن في أسماء الحكام أو هويات الجماعات المتصارعة، بل في الثقافة السياسية التي تجعل من السلطة غنيمة، ومن الولاء للأشخاص بديلا عن الولاء للمؤسسات.

إن اليمن كأي بلد ينشد الحياة لا يحتاج إلى إعادة تدوير نماذج الهيمنة القديمة بأسماء وعناوين جديدة، بل يحتاج إلى دولة مدنية حديثة يتساوى فيها الجميع تحت مظلة المواطنة، بعيدا عن امتيازات المنطقة، أو القبيلة أو السلالة.

ويبقى السؤال الحقيقي والمفتوح الذي قادتني إليه تلك الساعات الطويلة

كيف يمكن لبلد أنهكته الحروب والصراعات أن يعبر من منطق “الحاكم المطلق” ومراكز النفوذ المتوارثة، إلى ضفة دولة حقيقية تتسع لجميع أبنائها؟

بغض النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف مع هذه القراءة، فإنها تمثل أحد أبرز التفسيرات التي يعتمدها خصوم مركزية النفوذ لفهم طبيعة مشروعها السياسي.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد