بشرى العامري::
كلما اشتد الضغط على مليشيا الحوثي، عادت لتردد الشعار ذاته: “كسر الحصار عن مطار صنعاء”، في محاولة لتقديم نفسها حاميةً لحق اليمنيين في السفر والتنقل.
لكن المتابع لمسار هذا الملف يدرك تماماً أن الجماعة نفسها كانت، ولا تزال، أحد أبرز أسباب استمرار تعقيد أزمة المطار، وأن ما ترفعه اليوم من شعارات إنسانية يتناقض مع ممارساتها على أرض الواقع.
فلو كان همّ الحوثيين فعلا هو التخفيف من معاناة المرضى والطلاب والمغتربين، لما رفضوا تسيير رحلات شركات الطيران الأردنية والعُمانية، ولما عرقلوا استئناف الرحلات المنتظمة للخطوط الجوية اليمنية، الناقل الوطني الذي تعرض لخسائر متلاحقة بسببهم، انعكست بشكل مباشر على آلاف اليمنيين العالقين والمسافرين.
لم تكتفِ مليشيا الحوثي بعرقلة خيارات السفر المتاحة للمواطنين، بل أسهمت سياساتها في تحويل مطار صنعاء من منشأة مدنية إلى جزء من الحرب التي تديرها وتصر على تصعيدها، ما جعله عرضة للاستهداف أكثر من مرة، ودفع المدنيون وحدهم ثمن تلك المغامرات الرعناء.
كما استخدمت رحلات الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة، كورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية مليشاوبة وفي ممارسات أضرت بالعمل الإنساني، وحولت الخدمات المخصصة لليمنيين إلى أدوات للمساومة والابتزاز.
واليوم، وبينما لا يزال اليمنيون ينتظرون فتح خطوط جوية متعددة وآمنة تخفف معاناتهم، تصر مليشيا الحوثي على مطلب واحد يكاد يطغى على كل ما عداه وهو تسيير رحلات مباشرة مع إيران.
وهنا يبرز السؤال الأهم، إذا كانت القضية إنسانية، فلماذا ينحصر الإصرار في خط جوي واحد إلى طهران؟ ولماذا تُعطَّل البدائل التي يحتاجها اليمنيون فعلاً؟
بل يبرز سؤال أكثر إلحاحا: ما هو العائد الذي سيجنيه المواطن اليمني من رحلات مباشرة إلى إيران؟ وهل أصبحت إيران اليوم وجهة يحتاجها المرضى أو الطلاب أو رجال الأعمال اليمنيون أكثر من العواصم العربية؟ خصوصاً وأن إيران نفسها تواجه ظروفا بالغة التعقيد نتيجة العقوبات والضغوط والتوترات العسكرية، والقصف المتواصل من قبل أمريكا واسرائيل، فكيف يمكن إقناع اليمنيين بأن فتح هذا الخط يمثل أولوية إنسانية لهم؟
إن هذا الإصرار لا يبدو منسجما مع احتياجات اليمنيين بقدر ما يثير تساؤلات حول أهداف أخرى تتجاوز المصلحة الوطنية.
فمن يتابع المشهد يدرك أن الطيران الإيراني يواجه قيودا وعزلة في عدد من المسارات الجوية، الأمر الذي يجعل فتح خط مباشر إلى صنعاء ذا أهمية خاصة بالنسبة لطهران.
ومن هنا، تبدو القضية أبعد من مجرد فتح مطار أو تيسير سفر المواطنين، إذ إن ما يجري يوحي بأن الحوثيين يسعون لتحويل مطار صنعاء إلى منفذ يخدم المصالح الإيرانية، أكثر من كونه مرفقا مدنيا يخدم اليمنيين.
ولو كانت مصلحة اليمن هي الهدف الحقيقي، لكانت الأولوية إعادة تشغيل المطار بصورة طبيعية أمام مختلف شركات الطيران، وتأمين عمل الناقل الوطني، وفتح وجهات عربية ودولية يحتاجها المواطنون، وإبعاد المطار عن أي استخدام قد يزج به في قلب الصراعات الإقليمية.
فاليمنيون لا يريدون أن يكون مطارهم بوابة لكسر الحصار عن أي دولة أخرى، ولا ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، على حساب شعب وصل إلى أخر حدود القهر والاذلال، فهم يريدون مطارا آمنا يخدم المرضى والطلاب والمغتربين، ويحافظ على ما تبقى من استقرار البلاد.
إن تحويل مطار صنعاء إلى ورقة في مشروع إقليمي لا يهدد فقط حيادية المطار، بل يهدد أمن اليمن ومستقبله، ويجعل البلاد عرضة لمزيد من التوترات والتداعيات التي يدفع ثمنها المواطن البسيط وحده.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثيين لا يدافعون عن حق اليمنيين في السفر بقدر ما يوظفون هذا الحق لخدمة مشروعهم السياسي والعسكري.
ولذلك، فإن معركة اليوم ليست من أجل كسر الحصار عن مطار صنعاء، بل حول محاولة تحويل هذا المطار إلى بوابة لكسر الحصار عن طهران.، أما اليمنيون، فلا يزالون ينتظرون مطارا يخدمهم هم، لا أجندات الآخرين.


