في صباح السادس من يونيو 2024، لم تكن عائلة مراد ظافر، نائب مدير المعهد الديمقراطي الأمريكي (NDI)، تدرك أن ذلك اليوم سيقلب حياتها رأسًا على عقب، ويبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة الممتدة التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.
استيقظ مراد ظافر (66 عامًا) في ساعات الصباح الأولى على أخبار مقلقة تفيد باعتقال اثنتين من زميلاته العاملات في المعهد الديمقراطي الأمريكي. أيقظ زوجته جهينة وأبلغها بضرورة مغادرة المنزل فورًا، غير أن القلق دفعها لمحاولة التحقق من صحة المعلومات قبل اتخاذ أي خطوة.
وبحسب مصدر مقرب من العائلة، حاولت الزوجة الاتصال بإحدى الموظفتين المعتقلتين، إلا أن هاتفها كان مغلقًا. وبينما كان الزوجان يتناقشان بشأن ما ينبغي فعله، دوى جرس الباب، لتبدأ رحلة طويلة من الألم والانتظار.
فتحت الزوجة الباب لتجد شخصًا عرّف نفسه بأنه تابع لجهاز الأمن التابع لجماعة الحوثي، وأبلغها بأن لديهم أمرًا بالقبض على زوجها. وما هي إلا لحظات حتى دخل المنزل برفقة ثلاث نساء من عناصر الجماعة، وقمن باحتجاز الزوجة وابنتهما في إحدى الغرف، بينما شرعت القوة في تفتيش المنزل بصورة دقيقة استمرت نحو ثلاث ساعات.
وصادرت القوة كافة الأوراق والوثائق المتعلقة بعمل مراد، إضافة إلى أجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة، قبل أن تغادر المنزل قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرًا، مصطحبة مراد إلى جهة مجهولة.
وقبل اقتياده، حاول مراد طمأنة أسرته قائلاً: “لا تخافوا، ليس لديهم أي شيء ضدي، ولا يوجد ما يدينني”.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت زوجته رحلة مضنية للبحث عن أي معلومة تتعلق بمكان احتجازه أو وضعه الصحي. غير أن كل محاولاتها كانت تصطدم بإجابات مقتضبة من سلطات الجماعة: “لا تقلقي، هو بخير”.
وتقول الأسرة إنها زارت منازل موظفين آخرين تم اعتقالهم خلال الحملة نفسها، لتكتشف أن الاعتقالات طالت عاملين في منظمات ومؤسسات دولية متعددة، ضمن حملة واسعة استهدفت موظفي الإغاثة والتنمية والمجتمع المدني.
ثمانية أشهر من الاختفاء القسري
طوال ثمانية أشهر كاملة، ظل مراد ظافر مختفيًا قسريًا دون أن تتمكن أسرته من معرفة مكان احتجازه أو التواصل معه.
وخلال تلك الفترة، ازدادت مخاوف العائلة بعد ظهور تسجيلات مصورة بثتها جماعة الحوثي لما أطلقت عليه “خلية التجسس”، حيث ورد اسم مراد ضمن الاتهامات التي وجهت للموقوفين، وزُعم أنه يعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وأنه “العقل المدبر” للشبكة المزعومة.
ولم تتمكن الأسرة من سماع صوته إلا في 12 فبراير/شباط 2025، عندما تلقوا أول اتصال هاتفي منه، بعد ثمانية أشهر من الاختفاء القسري والقلق المستمر.
وخلال فترة اعتقاله، توفيت والدته، وتقدمت زوجته بطلبات متكررة للسماح له بحضور مراسم الدفن أو حتى إلقاء النظرة الأخيرة عليها. وتقول الأسرة إن الجماعة وعدت بالسماح له بذلك، ما دفعهم إلى تأجيل مراسم الدفن ليوم إضافي، إلا أن تلك الوعود لم تنفذ، ولم يُسمح له بتوديع والدته.
زيارة أولى بعد أكثر من عام
وبعد مرور عام وشهرين على اعتقاله، سُمح لزوجته بزيارته للمرة الأولى في 17 أغسطس/آب 2025.
ووفقًا للمصدر، فإن الحالة الصحية لمراد مستقرة بشكل عام، إلا أنه يعاني من إرهاق نفسي شديد نتيجة استمرار احتجازه رغم عدم تقديم أي أدلة أو إجراءات قضائية عادلة بحقه.
وأضاف المصدر أن الجماعة مارست في بداية اعتقاله ضغوطًا كبيرة عليه لإجباره على الاعتراف بالتهم المنسوبة إليه، مشيرًا إلى أن الأسرة تلقت لاحقًا وعودًا متكررة بإطلاق سراحه، كان آخرها وعد بالإفراج عنه ضمن عفو يصدر بمناسبة المولد النبوي، غير أن ذلك لم يتحقق.
معاناة مستمرة لموظفي المنظمات الدولية
ولا تمثل قضية مراد ظافر حالة فردية، بل تأتي ضمن موجة اعتقالات واسعة طالت عشرات العاملين في المنظمات الدولية والأممية والمحلية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين.
ومنذ يونيو 2024، نفذت الجماعة حملة اعتقالات غير مسبوقة استهدفت موظفين في وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية وإنسانية ومؤسسات مجتمع مدني، وسط اتهامات حقوقية للجماعة باستخدام المعتقلين كورقة ضغط سياسية.
وتسببت هذه الاعتقالات في حرمان عشرات الأسر من معيلها الأساسي، كما دفعت العديد من المنظمات إلى تقليص أنشطتها الإنسانية أو تعليقها، ما انعكس سلبًا على ملايين اليمنيين المحتاجين للمساعدات.
وتؤكد تقارير حقوقية وأممية أن العديد من المعتقلين تعرضوا لفترات طويلة من الاختفاء القسري، وحُرموا من التواصل المنتظم مع أسرهم أو الحصول على ضمانات المحاكمة العادلة، في حين لا تزال عائلاتهم تعيش حالة مستمرة من القلق والترقب.
وبينما تواصل أسر المعتقلين المطالبة بالإفراج عن ذويها، تبقى قضية مراد ظافر وآخرين من العاملين في القطاع الإنساني شاهدة على معاناة ممتدة يعيشها المختطفون وعائلاتهم، في انتظار نهاية لمأساة طال أمدها، وإطلاق سراح من كرسوا سنوات من حياتهم لخدمة العمل الإنساني والتنمية في اليمن.


