بشرى العامري :
في ذاكرة الأغنية اليمنية، ثمة أصوات تمرّ كنسمة عابرة، وأخرى تستقر في القلب كجزء من الوجدان.
وعندما يُذكر الغناء النسائي في البلاد، يبرز اسم الفنانة القديرة أمل كعدل بوصفه واحداً من أكثر الأصوات حضوراً ودفئاً وقوة،
صوتٌ لم يكن مجرد أداءٍ غنائي، بل حكاية وطنٍ يتغنى بنفسه، ومدينةٍ بحريةٍ اسمها عدن كانت تصنع الفرح رغم كل العواصف.
ولدت أمل علي محمد عبده كعدل وهذا اسمها الكامل، في منطقة الشيخ عثمان بمدينة عدن، هناك، بين الأزقة التي تعشق الموسيقى وتتنفس الإيقاع، بدأت ملامح موهبتها تتشكل مبكراً.
من مقاعد الدراسة، حيث كانت الأغنية تولد بريئة وعفوية، بدأت رحلة فتاة صغيرة تحمل في صوتها شيئاً من البحر، وشيئاً من الشجن اليمني العتيق.
لم تتأخر الأضواء كثيراً في اكتشاف موهبتها، فقد عبرت بوابة برنامج المواهب في قناة عدن، لتبدأ منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي رحلةً فنيةً استقبلها الجمهور بمحبة استثنائية.
كان صوتها مختلفاً قوياً بلا صخب، جميلاً بلا تكلّف، وقادراً على أن يلامس القلوب كما لو أنه يعرف الطريق إليها منذ زمن.
قدمت أولى أغنياتها من ألحان الفنان أنور مصلح عبر أغنية «مش لوحدك»، لتبدأ رحلة التألق التي سرعان ما لفتت انتباه كبار الموسيقيين.
اختارها الفنان الكبير أحمد بن أحمد قاسم لتشاركه أداء دويتو «الوحدة اليمنية»، في لحظة فنية حملت رمزية وطنية عميقة.
كما وقفت إلى جانب الفنان الكبير محمد مرشد ناجي في أغنية «شلني بامعك»، التي لحنها بنفسه، قبل أن تصبح واحدة من الأصوات التي حملت كثيراً من أعماله الغنائية بروح مختلفة وإحساس بالغ العذوبة.
ومع تأسيس معهد الفنون وتكوين الفرق الفنية، كانت أمل كعدل من الأصوات التي زينت فرقة إنشاد عدن، لتتسع تجربتها الفنية وتزداد نضجاً.
وهناك، جاء تعاونها مع الملحن الفنان أحمد بن غودل ليشكل محطة فارقة، إذ منحها ألحاناً مميزة دفعتها إلى الصفوف الأمامية بين نجوم الأغنية اليمنية، وجعل صوتها حاضراً في المحافل الموسيقية العربية والعالمية.
لم تكن أمل كعدل مجرد مطربة تؤدي الأغنيات، بل كانت ولا تزال صوتاً يحمل ملامح اليمن وأحلامه، تغني للوطن كما تغني للحب، وتمنح المستمع شعوراً بأن الأغنية ليست كلماتٍ ولحناً فقط، بل وطنٌ صغير يمكن أن يُسمع.
ومن بين الأغنيات التي رسخت حضورها في الذاكرة الشعبية: «بلادي أحييك فلتسلمي»،
و«أيا ثورة الشعب»،
و«وحدة شعبنا»،
فالأغنية الوطنية لا تزهو بدون صوت أمل كعدل.
كما تألقت في الأغنيات الوجدانية التي لامست القلوب،
ولا تزال في وجدان الناس اغنياتها
مثل «يارب من له حبيب»
و«مالك كذا مالك».
لتبقى أمل كعدل اسماً يضيء في سماء الفن اليمني، وصوتاً لا يشذ أو يشيخ مهما تغيرت الأزمنة، والمواقف لأن بعض الأصوات لا تُغنى فقط، بل تُعاش، وتبقى شاهدةً على زمنٍ جميل كانت فيه الأغنية اليمنية قادرة على أن تجمع الوطن حول لحن واحد، وقلب واحد.


