35.8 C
الجمهورية اليمنية
4:42 مساءً - 19 مايو, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

إب.. محافظة بلا جبهات حرب، لكنها ساحة مفتوحة للقمع الحوثي الممنهج

بشرى العامري:

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، فثمة حروب تُدار بصمت، تُمارَس فيها السيطرة عبر الخوف، ويُقاس فيها حجم الانتهاك بعدد السجون لا بعدد الجبهات.

هكذا تبدو محافظة إب اليوم، محافظة مدنية بعيدة عن خطوط المواجهة، لكنها تعيش واحدة من أثقل صور الانتهاك في البلاد، في ظل سيطرة مليشيا الحوثي الانقلابية عليها.

وإذا كانت محافظة تعز تُقصف بالقذائف، والحديدة تُبتر بالالغام فإن إب تُخنق بالاعتقالات والاخفاء القسري الذي تنفذه مليشيا الحوثي كل يوم في ظل صمت مخز وتغاضي محلي ودولي.

وفق تقارير حقوقية حديثة، شهدت إب أكثر من 2215 انتهاكاً خلال عام 2024 فقط، تنوعت بين القتل والإصابة والاختطاف والنهب والاقتحامات والتعذيب، وانتهاكات طالت النساء والأطفال، وجميعها ارتُكبت على يد مليشيا الحوثي في ظل غياب تام للمساءلة أو الرقابة.

هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الانتهاكات، بل يكشف طبيعتها المركبة، حيث لا ترتبط بسياق حرب مباشرة، بل بمنظومة قمع يومي متكاملة.

نحن لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن مئات المعتقلين سنوياً في محافظة واحدة غير جبهاتية، تحت سلطة مليشيا الحوثي.

محافظة إب اليوم تُعد من أكثر المحافظات تعرضاً للانتهاكات غير القتالية، حيث تشير تقارير حقوقية إلى اختطاف نحو 90 مدنياً خلال ثلاثة أشهر فقط من مايو الى يوليو العام الماضي، أي بمعدل يقارب حالة يومياً، نفذتها مليشيا الحوثي.

 وبالمقارنة مع محافظات مثل تعز أو الحديدة التي تشهد أعمال قتال، فإن إب تعيش شكلاً آخر من الانتهاكات، يتمثل في القمع الأمني والاعتقالات الجماعية والتضييق الشديد على الحريات من قبل الجماعة ذاتها.

وهذا يجعلها نموذجاً خطيراً لما يمكن أن تتحول إليه المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا عندما تغيب الحرب المباشرة وتحضر السيطرة الأمنية.

وعلى خلاف محافظات مثل تعز، التي تُعد ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة، فإن إب تمثل نموذجاً مختلفاً؛ فهي لا تتعرض للقصف المكثف أو المعارك المباشرة، لكنها تخضع لنمط آخر من الانتهاكات التي تمارسها مليشيا الحوثي كالقمع الأمني، والاعتقالات التعسفية، والسيطرة على المجتمع المدني. وقد أظهرت تقارير سابقة أن إب جاءت ضمن المحافظات الأكثر تعرضاً للانتهاكات على مستوى البلاد، حيث شكلت وحدها نحو 10% من إجمالي الانتهاكات المرصودة في فترة زمنية محددة، رغم أنها ليست جبهة قتال.

إب لا تُعد الأقل انتهاكاً بل الأقل ظهوراً في الإعلام، لأن انتهاكات مليشيا الحوثي فيها صامتة وليست انفجارية.

طبيعة الانتهاكات في إب تكشف تحولها إلى مساحة للضبط الأمني أكثر من كونها ساحة نزاع، فالمداهمات، والاختطافات، والتعذيب، ونهب الممتلكات، التي تنفذها مليشيا الحوثي، ليست أحداثاً عابرة، بل أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع وإخضاعه لسيطرتها.

 وتؤكد تقارير حقوقية أن هذه الممارسات تُنفذ بشكل ممنهج، وتشمل مختلف فئات المجتمع، من ناشطين وصحفيين إلى مواطنين عاديين لا تربطهم أي صلة بالعمل السياسي.

ما يحدث في محافظة إب ليس مجرد انتهاكات فردية، بل نمط ممنهج من القمع تمارسه مليشيا الحوثي ضد المدنيين بشكل يومي.

ولا يقف الأمر عند حدود القمع المباشر، بل يتجاوزه إلى ما يمكن وصفه بـ”الهندسة الاجتماعية” أو إعادة تشكيل البنية السكانية والهرمية داخل المحافظة، إذ تعمل مليشيا الحوثي على تعزيز نفوذها من خلال تمكين شخصيات قبلية ومشائخ وقيادات موالية لها، سواء على أساس الولاء السياسي أو الانتماء المذهبي، في محاولة لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجتمع المحلي.

هذا النهج لا يهدف فقط إلى السيطرة الأمنية، بل إلى خلق طبقة اجتماعية مرتبطة بالجماعة، تضمن لها الاستمرار والهيمنة على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، تتحول الوظائف العامة، والمناصب المحلية، وحتى النفوذ القبلي، إلى أدوات بيد مليشيا الحوثي لإعادة توزيع السلطة داخل المجتمع بما يخدم مشروعها. ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى إقصاء تدريجي للقيادات الاجتماعية التقليدية غير الموالية، واستبدالها بشبكة ولاءات جديدة.

كما أن النهب المنظم وفرض الجبايات يمثلان وجهاً آخر لهذه السيطرة، حيث تفرض مليشيا الحوثي إتاوات على التجار والمواطنين، وتُصادر الممتلكات العامة والخاصة في ظل غياب أي إطار قانوني.

 وبهذا، لا يقتصر الانتهاك على الحقوق المدنية، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية للمجتمع، في عملية تفكيك ممنهجة لمصادر العيش والاستقلال الفردي.

في إب قد يكون القتل أقل عدداً، لكنه أكثر غموضاً وغالباً خارج القانون، في ظل ممارسات مليشيا الحوثي.

فحين تغيب المعارك، لا تختفي الانتهاكات، بل تتخذ أشكالاً أقل صخباً وأكثر عمقاً، يصعب توثيقها أحياناً، لكنها تترك أثراً أشد وطأة على النسيج الاجتماعي.

إب، التي تُعرف تاريخياً باللواء الأخضر، تحولت إلى مساحة مغلقة تُرتكب فيها انتهاكات مليشيا الحوثي بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة.

إنها محافظة تُدار اليوم بمنطق السيطرة لا بمنطق الدولة، حيث تتحول المؤسسات إلى أدوات ضبط، والقانون إلى غطاء شكلي، فيما تُمارس السلطة الفعلية عبر القوة والولاء.

إن ما يجري في إب يؤكد أن غياب المعارك لا يعني غياب الانتهاكات، بل قد يعني العكس تماماً.

ففي ظل غياب صوت الحرب، ترتفع أصوات أخرى أصوات الضحايا في السجون، وأصوات الخوف في الشوارع، وأصوات مجتمع يُعاد تشكيله قسراً بفعل سياسات مليشيا الحوثي.

إب اليوم ليست مجرد محافظة خارج نطاق القتال، بل هي نموذج صارخ لما يمكن أن يحدث عندما تتحول السلطة إلى أداة للهيمنة، وتصبح الانتهاكات وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع، لا مجرد نتيجة للحرب، في ظل سيطرة مليشيا الحوثي.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد