*عزالدين سعيد الأصبحى:
**غادر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بكين، وسط حفاوة تشبه الاستقبال، وتصريح واضح بأن تايوان ينبغى لها ألا توقظ التنين الصينى.
رحلة الرئيس كانت محطَّ أنظار العالم، وحرص الصينيون على إبهار المشاهد دوليا قبل إبهار الضيف؛ من مظاهر الاستقبال إلى أماكن الزيارة. لكن سحابة القلق القابعة بين قلق التنين وغريزة الكاوبوى ظلّت تُخيِّم على سماء الزيارة.
فى هذا العالم الذى يلبس ربطة عنق من حرير فوق صدرٍ مليء بالشكوك، لم تعد الحروب تبدأ بصوت المدافع، بل بهمسة ارتياب، ونظرة مرتابة بين قوتين تعرف كلٌّ منهما أن الأخرى تبتسم بأسنانٍ كاملة… لكنها تخفى خلفها حسابات لا تنام.
يقولون إن زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى بكين كانت «ناجحة». هكذا يُقاس النجاح بعدد المصافحات وعدسات الكاميرا، لا بعدد المخاوف التى صعدت إلى الطائرة مع الوفد المغادر.
فى بكين، كان التنين يراقب ضيفه بعينين واسعتين، يعرف أن الكاوبوى الأمريكى لا يضع يده فى جيبه إلا ليتأكد أن المسدس لا يزال هناك. وفى واشنطن، كان راعى البقر ينظر إلى الصينيين كما ينظر رجل اعتاد القلق تجاه فلاحين صامتين يحرثون الأرض بهدوء… لكنهم، ذات صباح، يجدون أنفسهم يملكون الحقل كله.
أيُّ مفارقةٍ هذه؟
فالوفد بكامله، قبل أن يصعد إلى متن «إير فورس ون»، يُقال إنه ألقى الهدايا الصينية، والشارات، والدبابيس، والتذكارات فى سلال المهملات، كأنها محمّلة بأشباح إلكترونية أو ابتسامات قابلة للتجسس.
لم يسمحوا لشيء «صينى الصنع» بالصعود إلى الطائرة. حتى الهواتف الشخصية تُركت فى أمريكا، واستُبدل بها أجهزة مؤقتة، وكأن الوفد ذاهب إلى أرض لا تُرى، لا إلى ثانى أكبر اقتصاد فى العالم. تلك سخرية الزمان، ولكنه قلق العصر الافتراضي!
الدولة الأقوى فى العالم تخشى «الدبوس»، وترتجف من «هدية تذكارية»، وتتعامل مع التكنولوجيا الصينية بحذر أشدّ من التعامل مع الرسائل الملغمة؛
ليس لأنها مصابة بداء الريبة، بل لأنها تدرك كيف تُحصى الأنفاس وتُسجَّل الهمسات!.
لم تعد المعركة حول الحدود، بل حول البيانات؛ حول من يعرفك أكثر:
ليس فقط من ملامحك، بل من الهاتف الذى تحمله فى جيبك.
لقد صار القلق من التوغل الصينى هاجسا أمريكيا مكتمل الملامح. فالصين لم تعد المصنع الصامت الذى يحيك قمصان القطن للعالم ويجمع ألعابه الإلكترونية، بل أصبحت عينا رقمية عملاقة تنظر إلى الدولة الأولى فى العالم… وتجعلها، للمرة الأولى منذ عقود، تشعر بأنها أيضا تحت المراقبة.
ومن ينسى حرب تيك توك؟ ذلك التطبيق الذى رقص عليه الملايين، بينما واشنطن ترى فيه حصان طروادة حديثا.
قاتلت أمريكا بشراسة: إما الشراء أو الإلغاء؛ ليس لأن المراهقين يرقصون كثيرا، بل لأن مئات الملايين أودعوا هناك أسرارهم الصغيرة: ماذا يحبون؟ ماذا يكرهون؟ ماذا يخشون؟ ولمن يصوتون؟ وحتى متى يشعرون بالوحدة.
وهذه المعلومات، فى زمن الذكاء الاصطناعى، أخطر من النفط، وأغلى من الأساطيل.
إنها حرب الثقة المفقودة؛ حرب لا يُطلق فيها الرصاص، لكن تُطلَق فيها الشكوك.
التنين الصينى قلق من غدر الكاوبوى الأمريكى، الذى اعتاد أن يبتسم ثم يفرض العقوبات. والكاوبوى بدوره يخشى مكر الفلاحين الصامتين؛ أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم كثيرا، لكنهم يبنون إمبراطورياتهم بصبر من يعرف أن الزمن حليفه.
العالم اليوم لا يشهد صراعا بين دولتين فقط، بل بين فلسفتين: واحدة تريد أن تبقى على القمة ولو بإغلاق الأبواب، وأخرى تصعد السلم بهدوء، كأنها لا تستعجل الوصول، بينما الجميع يدرك أنها تقترب.
اما نحن؟ فلا تسأل، فلا نزال رواد الوقوف على الأطلال، منذ قفا نبكى وحتى قفا نلهو.
وفى النهاية، لا أحد يثق بأحد. يبتسمون أمام الكاميرات، ويتبادلون العبارات الدبلوماسية الثقيلة، لكن الحقيقة أبسط وأكثر مرارة: إنها علاقة عملاقين ينام كل واحد منهما وعينه مفتوحة… خوفا من أن يستيقظ ليجد الآخر قد اختطف الحلم، أو غيَّر شكل الخريطة.
*سفير بلادنا لدى المملكة المغربية الشقيقة
**نقلا عن جريدة الاهرام المصرية


