عزالدين سعيد الأصبحي:
للثاني والعشرين من مايو في ذاكرتي معنى آخر، يختلف عن كل ما يحمله هذا التاريخ من دلالات وطنية. فهو بالنسبة لي، ولأسرتنا، ولكثير من أبناء الأصابح، يوم محفور بالألم والاعتزاز معاً.
في الثاني والعشرين من مايو عام 1978، شهدت قريتنا الصغيرة المعلقة بالغمام فاجعة استشهاد الشيخ سعيد علي الأصبحي، العم القريب والسند الكبير ، وثلة من الرجال المخلصين الذين كانوا من الوجوه الوطنية والوجاهات الاجتماعية المعروفة في اليمن. وهي الأحداث الدامية التي عُرفت يومها بأحداث الحجرية، وظلت جرحاً مفتوحاً في ذاكرة المكان والناس.
رحل الشيخ سعيد علي الأصبحي شهيداً، لكنه ترك وراءه سيرة أكبر من أن تختصرها الكلمات، وأعمق من أن يطويها النسيان.
الأسبوع الماضي أعاد أخي العزيز عبدالمولى سعيد الأصبحي إلى ذاكرتي تفاصيل تلك الأيام، فقلت له: وهل يمكن أن تُنسى سيرة رجل لم يكن رمزاً لأسرته أو منطقته فحسب، بل واحداً من النماذج الوطنية والاقتصادية المضيئة في تاريخ اليمن الحديث؟
ولعل أصعب ما يواجهه الإنسان أن يكتب عن قريب له، لأن القرابة قد تدفع البعض إلى الظن بأن الحديث مدفوع بالعاطفة. غير أن الإنصاف يقتضي القول إن التذكير بالشيخ سعيد علي الأصبحي ليس واجباً عائلياً فحسب، بل واجب وطني تجاه شخصية تعرضت لشيء من النسيان، رغم ما قدمته للوطن والناس.
بدأ رحلته من ظروف قاسية، وخاض تجربة الاغتراب الشاقة في سنوات كان النجاح فيها يحتاج إلى صبر استثنائي وإرادة صلبة.
وهناك صنع اسمه بجهده ونزاهته وكفاءته، حتى غدا من أبرز المقاولين اليمنيين في المملكة العربية السعودية، وتشهد على ذلك مأثر واضحة على الأرض، وتحقيقات ومقالات صحفية موثقة تناولت نجاحاته المهنية ودوره الاجتماعي ودعمه المستمر لأبناء الجالية اليمنية في أوقات الشدة.
ولم يكن نجاحه الاقتصادي منفصلاً عن وعيه الوطني. فقد انحاز مبكراً إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ووقف إلى جانب مشروع الجمهورية والدولة الحديثة. وكان تقدير الزعيم جمال عبدالناصر له ومنحه وساماً رسمياً دليلاً على حضوره الوطني ومكانته في تلك المرحلة التاريخية. وما زالت صورته بذلك الوسام تتصدر جدار البيت، شاهدة على زمن كان فيه الرجال يقدمون لأوطانهم كل ما يملكون، ويعتبرون خدمة الوطن شرفاً لا تجارة، وواجباً لا مكسباً.
ومع انطلاق الثورة في 1962, عاد إلى اليمن، مؤمناً بأن الوطن أولى بخبرته ونجاحه. فشارك في مشاريع البناء والتنمية، وأسهم في تأسيس المدارس وشق الطرق ودعم الخدمات العامة، واضعاً خبرته وإمكاناته في خدمة المجتمع.
وخلال أحداث أغسطس 1968 واجه محاولات ظالمة للنيل منه عبر اتهامات كيدية استهدفت تصفيته سياسياً وجسدياً، لكنه خرج منها مرفوع الرأس بفضل نزاهته المعروفة ومواقفه الوطنية الصادقة. وكان للموقف النبيل للرئيس الراحل القاضي عبدالرحمن الإرياني دور بارز في الدفاع عنه وإظهار الحقيقة، تأكيداً لما كان يتمتع به الشيخ الأصبحي من سمعة وطنية واحترام واسع.
وعندما أعود اليوم إلى ما كتبه الشهيد بنفسه في كتيبه الصغير «يتيم في أربعين عاماً»، أشعر أننا أمام سيرة لم تُقرأ بعد كما تستحق. فقد اختصر الرجل صفحات طويلة من الكفاح والمعاناة والنجاح في صفحات قليلة ، بينما كانت حياته في الحقيقة أكبر بكثير من ذلك الكتيب الصغير.
كانت حياة مليئة بالنضال والعمل والإنجاز والمواقف الإنسانية والوطنية النبيلة.
هذا الأسبوع عاد أبناء المنطقة إلى التذكير بإحدى أجمل بصماته؛ المدرسة الأولى التي أُنشئت في القرية بجهوده ودعمه وإيمانه بأن التعليم هو الطريق الحقيقي للتغيير. وبعد أكثر من نصف قرن ما زالت تلك المدرسة قائمة، وما زالت أجيال متعاقبة من أبنائها يحملون ثمار ذلك المشروع الرائد، شاهدة على أن البناء الصادق لا يموت برحيل أصحابه، وأن الأثر الطيب أطول عمراً من أصحابه.
إن الحديث عن الشيخ سعيد علي الأصبحي ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو دعوة لإنصافه وإنصاف جيل كامل من الرواد الذين أسهموا في بناء اليمن الحديث، ثم غابت أسماؤهم عن ذاكرة الأجيال الجديدة، في زمن أصبح فيه كثير من صانعي الإنجاز الحقيقيين خارج دائرة الضوء.
وفي ذكرى استشهاده، لا نطلب سوى أن يُعاد الاعتبار لهذه الشخصية الوطنية والاقتصادية والتنموية الفريدة، وأن تُوثق سيرتها كما ينبغي، وأن تتعرف الأجيال الجديدة على رجال صنعوا الأمل في زمن كان صنع الأمل فيه أصعب بكثير مما هو عليه اليوم.
فرحم الله الشيخ سعيد علي الأصبحي، فقد عاش من أجل الناس، وبنى أكثر مما تحدث، وأعطى أكثر مما أخذ، ورحل تاركاً وراءه ما يبقى: سيرةً طيبة، وعملاً نافعاً، وذكراً حسناً لا يزول.



