21.9 C
الجمهورية اليمنية
6:53 صباحًا - 22 أكتوبر, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

حين تتحول الصحافة إلى صناعة للإيحاء

بشرى العامري:

من أسوأ ما أفرزته منصات التواصل الاجتماعي ذلك النمط من الكتابة الذي يتخذ من الصحافة غطاءً، بينما لا يلتزم بأبسط قواعدها المهنية، وهي الدقة، والوضوح، والتحقق، والمسؤولية.

وبات من المألوف أن يكتب بعض الصحفيين، أو بالأحرى بعض الناشطين على منصات التواصل، عبارات مثل : «علمتُ أن مسؤولا كبيراً سرق كذا»، أو «مصدر مطلع كشف لي أن شخصية بارزة ارتكبت جريمة كذا»، من دون ذكر الاسم، أو تقديم دليل، أو إتاحة ما يمكن للقارئ من خلاله التحقق من المعلومة.

هذا النوع من الكتابة لا يقدم خبراً مكتملاً، بقدر ما يصنع حالة من الغموض والإثارة.

يترك الكاتب الأسماء معلقة، والوقائع ناقصة، ثم يترك للجمهور مهمة التخمين، فتتحول المعلومة المزعومة إلى سلسلة من الشائعات والتأويلات.

والأمر ذاته ينطبق على من يكتب عن لقاءات مع «شخصيات مهمة» أو «مصادر رفيعة»، ثم يبني على تلك اللقاءات روايات واسعة، من دون أن يوضح طبيعة المعلومات التي حصل عليها، أو مدى إمكانية التحقق منها، أو السياق الذي قيلت فيه. فالمصدر الصحفي، حتى عندما تستدعي الضرورة عدم الكشف عن هويته، لا يمنح الصحفي رخصة لاختلاق التفاصيل أو تقديم الانطباعات باعتبارها حقائق.

الصحافة ليست لعبة ألغاز، وليست مسابقة في إثارة فضول الجمهور.

عندما تكون هناك واقعة تستحق النشر، فالأصل أن تُعرض بوضوح، وأن تُسند إلى مصادر يمكن الوثوق بها، وأن يميز الصحفي بين ما يعرفه وما يستنتجه وما لم يتمكن من التحقق منه.

أما أن يُقال: «هناك سرٌ خطير»، أو «مسؤول كبير متورط»، أو «مصدر مطلع كشف معلومات صادمة»، ثم يُترك الجمهور أمام فراغ معلوماتي، فذلك أقرب إلى صناعة الإثارة منه إلى ممارسة الصحافة.

المشكلة أن هذا الأسلوب يجد جمهوراً واسعاً في بيئةٍ رقمية أصبحت فيها قيمة المحتوى تُقاس أحياناً بعدد المشاهدات والتفاعلات، لا بمدى صحته وأهميته.

وهنا تصبح الإثارة هدفاً، وتتحول الإشاعة إلى مادة قابلة للتداول، بينما تتراجع الحقيقة أمام الرغبة في تحقيق الانتشار.

لكن مسؤولية الصحفي لا تتغير بتغير المنصة. بل ربما تصبح أكبر في زمن تتسارع فيه عملية نشر المعلومات، ويصعب معه تصحيح المعلومة الكاذبة بعد انتشارها.

فسمعة الأشخاص ليست مادة للتلميح، والاتهامات ليست مجالا للتخمين، والحقيقة لا تحتمل أنصاف الروايات.

وإذا تعذر نشر معلومة كاملة وموثقة، فإن الامتناع عن نشرها يظل أكثر مهنية من تقديمها في صورة إيحاءات تفتح الباب أمام الظلم والتشهير.

نحن اليوم بحاجة إلى استعادة المعنى الحقيقي للصحافة، المتمثل في التحقق قبل النشر، والتمييز بين الخبر والرأي، واحترام حق الجمهور في معرفة الحقيقة، وتحمل المسؤولية عن كل كلمةٍ تُنشر.

فالخطر لا يكمن فقط في انتشار الأكاذيب، وإنما في أن يفقد الناس مع الوقت قدرتهم على التمييز بين الصحافة والإشاعة، وبين المعلومة والاستعراض.

قولوا الحقيقة كاملة، أو انتظروا حتى تكتمل أدوات التحقق منها، لأن أنصاف الحقائق، حين تُقدم في ثوب الصحافة، قد تكون أحياناً أكثر ضرراً من الكذب الصريح.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد