28.5 C
الجمهورية اليمنية
11:59 صباحًا - 23 سبتمبر, 2021
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

مأزق إيران و الحوثي

 * عزالدين سعيد الاصبحي :

تُظهر مليشيا الحوثي ولاءا واضحا ومعلنا لإيران وتحرص على إرسال إشارات قوية عن ارتباطها بطهران، ابتداءا من تمجيد موقف الملالي وانتهاءا بتكريس اللغة الفارسية في جامعة صنعاء.
ورغم أن إيران، تفاخر  بسيطرتها على أربع عواصم عربية، وسمّت صنعاء مع بغداد ودمشق وبيروت، وأرسلت سفيرا لها بطريقة سرية خرقا لكل الأعراف الدولية، إلا أنه لا مانع من طرح سؤال صادم، وهو الى اي مدى تخدم حركة الحوثي التوجه الإيراني المستقبلي في اليمن ؟ وتعزز من سيطرة طهران على المدى البعيد فعليا على كامل اليمن ؟!. ام العكس ستجد إيران نفسها خارج المعادلة  رغم كل هذا النجاح الحالي؟ وهذا يقود إلى السؤال الآخر  وهو : هل ستعمل إيران على تعزيز مسار آخر  لها في اليمن غير الحوثي؟ مع كيانات وتيارات أخرى لتلافي ذلك؟

علينا أن ندرك بأن هناك مستويين يعملان على تعزيز النفوذ الإيراني تستهدفه الدولة العميقة في طهران.

الأول :  تصدير فكرة الثورة القائمة على أن إيران تقود محورا عالميا ضد الإمبريالية العالمية.
وهذا خطاب شعبوي يبرر تواجد خلايا إيران من أمريكا اللاتينية وحتى أفريقيا ويعتمد على حامل حزبي لقوى ليست دينية في الغالب، فقط وحدّتها الحاجة للدعم الإيراني والموقف التاريخي تجاه صراع إيديولوجي سابق.
المستوى الثاني:  يقوم على الولاء لنظرية المذهب والإيمان بمرجعية دينية لا نقاش فيها، فالقائد الإمام في طهران هو الولي المعصوم، آمر الزمان.
وهنا يكون العمل بقوة على نشر التشيع ليس فقط في إبراز الطقوس الدينية، ولكن لخلق تيار مؤمن حزبيا، قادر على إستخدام العنف والسيطرة على أي بلد فيه.
وعند إسقاط ذلك على الوضع في اليمن، سنجد أن المشروع الإيراني صار أكثر اضطرابا مع حركة الحوثي وتغول مليشياتها في اليمن.
فالحوثي الذي رفع رايته في أقصى مناطق شمال اليمن على أساس إحياء نظرية المذهب الزيدي، وأنه من يمثل الطائفة بالبلد، ووجدت حركته حاضنة طبيعية واسعة في مناطق الشمال لأسباب عدة أبرزها،
البعد التاريخي لتواجد هذه الدعوة هناك، ولاقتناع قطاع واسع من أبناء تلك المناطق بأن التيارات السنية   تضرب عمق انتمائهم، وثالثا لوجود تربة خصبة تزهر فيها بذرة الإمامة الزيدية في معظم تلك المناطق، بسبب نهج النظام السابق لأكثر من خمسة وثلاثين عاما.
حيث بقي النظام يمارس تكريسا مذهبيا ومناطقيا في أبرز وأهم مؤسساته أي الجيش والمخابرات والقضاء، ويظن بذلك أنه يحمي مصالحه الضيقة في بقاء الحكم بيد قلة حاكمة، ولم يدرك أن تعزيز العصبوية الطائفية المعززة بالمناطقية التي تم ممارستها ستنتج تربة خصبة لدعوة الإمامة.
فعندما أعلن حسين بدرالدين الحوثي دعوته وجد قطاعا جاهزا من الشباب ليس فقط في المساجد، ولكن في صفوف الجيش والتوجيه المعنوي وجهاز المخابرات، وفي قيادات أحزاب، ومفاصل الدولة.
كل ذلك مهد لانتشار الحركة في مناطق واسعة، مع الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الأحزاب السياسية من عدم تبني موقف جدي ضد الفكرة المذهبية والدينية، يضاف إليها التوجيه المباشر الذي تم من قيادة الدولة السابقة لأجهزة الحكم والقوات المسلحة لأن تنظم إلى مسيرة الحوثي نكاية بمعارضة الشارع الصاخبة وقتها وتكتيكا فاشلا أوقع البلد في مأزق اللاعودة.
ولكن كل ذلك تم ولم يكن لإيران الحضور الفاعل أو القدرة على التوجيه الكامل لدفة المشهد في صنعاء بل قُدمت لها الفرصة على طبق من ذهب وظلت ترقب وتتحين الفرص، وتقدم الدعم والعون والتدريب لجماعة الحوثي، وتعمل على البناء المؤسسي للجهاز الأمني والإعلامي له، وفي نفس الوقت عدم الظهور بالشكل المذهبي بل عبر المستوى الثاني القائم على استقطاب الناس ضمن دائرة محاربة الاستبداد والكفاح ضد الإمبريالية العالمية، واللعب على وتر الغضب اليمني الدائم من الجوار وشعوره بالغبن.
ولذا جاء التواجد الإيراني في صعدة وصنعاء وكذا في أوساط حركات الغضب بحضرموت وعدن وبقية الجنوب وتعز.
وجاءت لحظة كاد أن يكون كثير من  التيار الساخط المنخرط في الربيع العربي أو المعارض لنظام الرئيس السابق  أقرب إلى طهران منه إلى  الدوحة، وكانت إيران تدفع باستقبال القوى الناعمة من تيارات قومية أو يسارية أو إخوان مسلمين مع تركيز على فئة الشباب والنساء.
ولكن بقي الدور  الإيراني في اليمن حاضرا بشكل ليس متحكما ويظهر عدم انجراره للصراع المذهبي المعزز بالمناطقية في اليمن حتى سيطرة الحوثي واندفاعه نهاية 2014 وفي مطلع عام 2015 بعمل جسر جوي واسع بين طهران وصنعاء.
وساعتها ظهرت مؤشرات الخطر الإقليمية، وأن إيران لا تدعم مجرد حركة ولكن تريد خلق جغرافيا جديدة بالمنطقة .

وبقي الخطاب المنظم للعلاقة بين الحوثي كحركة ونظام إيران مضطربا ولا يزال طبعا إلى حد ما، بحكم صراع الأجنحة في طهران( وتلك قصة أخرى) .
ومرد هذا الاضطراب هو علو تيار الثورة في إيران الذي يرى بضرورة سرعة إيجاد قاعدة فكرية وحزبية في اليمن تؤمن بالمذهب والمرجعية الدينية والسياسية، وتُدعم بمؤسسة أمنية عميقة، وتعمل هذه القوى على بلورة مشهد يمني يظهر فيه قائد يخطب في الناس بوضوح على طريقة حسن نصر الله في الضاحية اللبنانية وهو يقول إن تبعيتنا لنظرية الإمام الولي الفقيه في إيران إيمانٌ لا يتزعزع .
ذلك الخطاب يقوله نصر الله في محيط جعفري مؤدلج تماما لصالح إيران فلا يخشى شيئا وإن أغضب معظم اللبنانيين.
لكن الأمر في صنعاء مختلف، حيث لم توجد بعد تلك الحاضنة الجعفرية ولم يكتمل بنائها شعبيا، وإن تغولت أمنيا.
والحوثي وإن كان أميل الآن إلى الاثنا عشرية فهو لا يزال يستمد قوته في المحافظات الشمالية من كونه إماما يمثل الزيدية. لا جعفريا يتبع الإمام في طهران.
ولكن يبدو أن الأمور تسير نحو  منحى صدامي آخر، وجناح الثورة المندفع في طهران تصل حممه إلى صنعاء تباعا. ويريد تغيير الجغرافيا والانتماء العقائدي.
والخشية ليس من هذا الخطاب الفج لجناح ايراني يقول بأنه سيحول الزيدية إلى اثنا عشرية، ولكن من خطة أوسع بجعل تيار طهران الجديد  يأتي من أصقاع اليمن المختلفة في المحافظات الأخرى وليس الشمالية فقط، معتمدا على نغمة المقاومة وتوحيد الوطن وإنهاء التدخلات. يساعده في ذلك غياب مؤسسات  الدولة، والشعور المتزايد بخيبة الأمل.  وغياب المشروع الوطني الجامع في اليمن . وتلك هي القضية .
ونقاش بحاجة إلى عودة .
* سفير اليمن لدى المغرب

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد