.عبدالسلام الاثوري:
لم تعد مسألة العاصمة في اليمن شأناً داخلياً بحتاً، بل تحولت إلى قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، ترتبط بأمن البحر العربي، واستقرار خطوط الملاحة، وقدرة الدولة اليمنية على استعادة مؤسساتها والعمل بانتظام ضمن بيئة مستقرة.
*صنعاء* ، بوصفها العاصمة التاريخية، تواجه اليوم تحديات مركّبة تتجاوز البعد السياسي. فالمدينة تُعد من أكثر العواصم فقراً بالمياه على مستوى المنطقة، ومعالجة هذه المعضلة تتطلب استثمارات بنيوية باهظة في التحلية أو نقل المياه لمسافات طويلة، وهي كلفة لا تمتلك الدولة اليمنية، في وضعها الحالي، القدرة المالية أو الفنية على تحمّلها. يضاف إلى ذلك واقع سيطرة مليشيات الحوثي، ما يجعل عودتها كعاصمة فاعلة مسألة مؤجلة زمنياً ومرهونة بتسويات طويلة وكلفة أمنية مرتفعة. وحتى في حال الاستعادة، ستظل صنعاء محكومة بقلق الاستقرار، في ظل تأثيرات البيئة القبلية المحيطة وإرث سياسي أضعف مفهوم الدولة الحديثة. هذه المعطيات لا تنتقص من رمزية صنعاء، لكنها تحدّ من قدرتها، في المدى المنظور، على أداء دور العاصمة القادرة على الاستدامة.
أما *عدن* ، التي جرى اعتمادها كعاصمة مؤقتة، فقد أظهرت التجربة العملية صعوبة توفير الضمانات الأمنية والمؤسسية اللازمة لعمل الحكومة والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية. استمرار نفوذ قوى الأمر الواقع وتعقيد المشهد الأمني جعلا من الصعب تحويل عدن إلى مركز حكم مستقر أو شريك موثوق في ترتيبات إقليمية طويلة الأمد.
في المقابل، تبرز *المكلا* – *حضرموت* كخيار واقعي توافقي، بعيداً عن منطق الصراع. حضرموت تمثل نموذجاً اجتماعياً أكثر اتزاناً وأقل استقطاباً، فيما تمتلك المكلا بيئة أمنية مستقرة نسبياً، ومقومات إدارية، وموقعاً جغرافياً مهماً على البحر العربي، يجعلها مؤهلة لاحتضان مؤسسات الدولة والعمل الحكومي والبرلمان بصورة منتظمة.
تأخر إعلان تشكيل الحكومة، منذ تكليف الدكتور *شائع الزنداني،* يعكس بوضوح محدودية البيئة الحالية في عدن وعدم قدرتها على ضمان عمل مستدام لمؤسسات الدولة الدستورية، وهو ما يفرض البحث عن بدائل عملية تضمن استمرار الدولة بدلاً من إدارة حالة تعطيل مفتوحة.
إن اعتماد *المكلا* عاصمة مؤقتة يوفر ضمانات أعلى لعمل الرئاسة والحكومة والبرلمان، ويمنح الشركاء الإقليميين والدوليين نقطة ارتكاز مستقرة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، مع إمكانية تكييف هذا الخيار دستورياً في مرحلة لاحقة ضمن توافق وطني شامل.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن حضرموت تمثل عمقاً استراتيجياً طبيعياً لأمن الخليج، بحكم موقعها القريب من مسارات الملاحة الدولية والبحر العربي. اعتماد المكلا عاصمة مؤقتة يخلق شريكاً حكومياً مستقراً وقابلاً للتعاون، ويعزز جهود أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وحماية الملاحة، ويفتح المجال لشراكات تنموية طويلة الأمد تخدم أمن الخليج واستقرار اليمن في آن واحد.
من منظور إقليمي ودولي، فإن استقرار اليمن يبدأ بوجود مركز حكم قادر على العمل بانتظام واتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط المسلحة والكلف غير القابلة للاستدامة. والمكلا، بما تتمتع به من قبول اجتماعي وهدوء سياسي، تمثل خيار دولة يسعى إلى الاستقرار لا إدارة الأزمات.


