بشرى العامري :
أثار اغتيال مراسل قناتي العربية والحدث الزميل الصحفي محمد عيضة، الذي استشهد امس الاربعاء إثر استهدافه بعبوة ناسفة حالة من الغضب والقلق في الأوساط الإعلامية، ليس فقط بسبب بشاعة الجريمة وخطورتها، بل أيضاً بسبب الطريقة التي تعاملت بها الجهات الرسمية مع تداعياتها. ففي أعقاب الحادثة، توالت الإعلانات سريعاً بالتوجيه لتشكيل لجان للتحقيق، إذ وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الاغتيال، كما أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي توجيهه لتشكيل لجنة في القضية ذاتها، وتبع ذلك إعلان رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني عن توجيه بتشكيل لجنة تحقيق، في الوقت الذي يُتوقع فيه أن تتحرك وزارة الداخلية باعتبارها الجهة المعنية أمنياً.
من حيث المبدأ، فإن سرعة التفاعل الرسمي مع جريمة استهداف صحفي تُعد أمراً مهماً، وتعكس إدراكاً لخطورة الحادثة وضرورة كشف ملابساتها، إلا أن تعدد الجهات التي تعلن في الوقت نفسه بتشكيل لجان للتحقيق يفتح تساؤلات مشروعة حول طبيعة التنسيق المؤسسي، وآلية إدارة مثل هذه الملفات الحساسة.
فالقضية لا تحتاج إلى كثرة التوجيهات بقدر ما تحتاج إلى وضوح في المسؤولية.
وفي أي منظومة دولة يفترض أن يكون هناك مسار محدد يبدأ بتوجيه القيادة العليا، ثم تتولى الجهات المختصة التنفيذ والمتابعة، وصولاً إلى نتائج معلنة للرأي العام.
أما أن تتعدد اللجان وتصدر التوجيهات من أكثر من جهة، فقد يعطي انطباعاً بوجود تداخل في الأدوار أكثر من كونه مؤشراً على قوة الاستجابة، خصوصاً إذا انتهت هذه التحركات إلى بيانات وتوجيهات فقط دون إعلان نتائج التحقيق أو كشف المتورطين وتقديمهم للعدالة.
قيمة أي لجنة تحقيق لا تُقاس بسرعة الإعلان عنها، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار الجرائم. فالصحفيون الذين يدفعون حياتهم ثمناً لنقل الحقيقة لا يحتاجون فقط إلى بيانات إدانة، بل إلى دولة تحميهم وتنتصر للعدالة بعد استهدافهم. إن دماء محمد عيضة وكل الزملاء الصحفيين الذين فقدوا حياتهم في اليمن يجب ألا تتحول إلى مجرد ملفات تُفتح ثم تُغلق، بل ينبغي أن تكون دافعاً لبناء آلية حقيقية لحماية الإعلاميين ومحاسبة المعتدين، لأن غياب النتائج يضعف الثقة ويجعل أي تحرك رسمي يفقد أثره ومعناه.


