تقرير صحفي تحليلي/ اليمن الاتحادي:
لم تعد خطورة مليشيا الحوثي الإرهابية محصورة في السلاح الذي تحمله، أو في الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها باتجاه المدن والمنشآت المدنية وخطوط الملاحة الدولية؛ فالتهديد الأعمق يكمن في المنظومة التي تتيح لها الحصول على مكونات السلاح، ونقل المعرفة التقنية، وتجميع المنظومات العسكرية وتطويرها داخل اليمن، رغم عمليات الاعتراض البحري والعقوبات والضربات العسكرية المتكررة.
هذه هي الخلاصة الأبرز التي يقدمها تقرير بحثي مطوّل بعنوان «من المهربين إلى سلاسل التوريد: كيف أصبحت حركة الحوثيين في اليمن تهديدًا عالميًا»، الصادر عن مؤسسة «سينشري إنترناشونال» في فبراير 2026، بمشاركة الباحثين بيتر سالزبوري وهنري طومسون وفينا علي خان. ويشرح التقرير كيف انتقلت الجماعة، خلال نحو عقد، من الاعتماد بدرجة كبيرة على تهريب الأسلحة الجاهزة إلى بناء شبكة إمداد وتصنيع أكثر تعقيدًا، تستفيد من الدعم الإيراني والأسواق التجارية الدولية والوسطاء وشبكات النقل العابرة للحدود.

ولا تكمن أهمية التقرير في استعراض ترسانة الحوثيين فحسب، بل في كشف التحول الذي طرأ على طبيعة التهديد: من جماعة مسلحة تعتمد على ما يصل إليها من الخارج، إلى منظومة قادرة على استيراد المكونات وتوظيف الخبرات الفنية وتجميع الأسلحة محليًا، بما يجعل تعطيل قدراتها أكثر صعوبة، ويحوّل أمن اليمن إلى جزء من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
ترسانة تتجاوز حدود التمرد المحلي
منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، شهدت قدراتهم العسكرية تطورًا ملحوظًا، شمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة الجوية والبحرية والألغام والعبوات الناسفة، إلى جانب قدرات أخرى مرتبطة بالمراقبة والاستهداف والدفاع الجوي.
ويشير التقرير إلى أن مدى بعض هذه المنظومات وصل إلى نحو ألفي كيلومتر للصواريخ، ونحو 2600 كيلومتر للطائرات المسيّرة، وفق تقديرات الباحثين. كما يرصد أكثر من 1800 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال سنوات الحرب، وأكثر من 115 هجومًا استهدفت سفنًا تجارية وعسكرية بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025.
وتكشف هذه الأرقام، إذا ما قُرئت في سياقها العسكري والسياسي، أن قدرات الجماعة لم تعد مجرد وسيلة للسيطرة على مناطق يمنية أو إخضاع السكان في مناطق نفوذها، بل أصبحت أداة ضغط تتجاوز الحدود، وتمنحها قدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، ورفع كلفة النقل والتأمين، وتعريض المصالح الإقليمية والدولية للمخاطر.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فكلما اتسع نطاق التهديد، أصبحت تداعيات استمرار القدرات العسكرية الحوثية أبعد من الداخل اليمني، فيما يظل المدنيون اليمنيون أول المتضررين من عسكرة البلاد وتحويل أراضيها إلى منصة لعمليات ذات أبعاد إقليمية.
التحول الأخطر.. من استيراد السلاح إلى صناعة مكوناته
من أبرز النتائج التي توصل إليها التقرير تغير طبيعة المواد المضبوطة في طريقها إلى الحوثيين. فبدلًا من الاقتصار على شحنات الأسلحة المكتملة، أصبحت المكونات الصناعية والمواد الخام وقطع الإلكترونيات والمحركات والمعدات المستخدمة في التصنيع تشكل نسبة متزايدة من الإمدادات.
وبحسب التقرير، كانت المكونات والمواد الخام تمثل نحو 35% من المضبوطات المسجلة بحلول عام 2020، بينما تجاوزت المواد المخصصة للاستخدام في تصنيع الأسلحة 80% من المضبوطات خلال عامي 2024 و2025. وهذه النسب تخص المواد التي جرى ضبطها وتوثيقها، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها إحصاءً شاملًا لجميع الإمدادات التي وصلت إلى الجماعة.
وتكمن الدلالة في أن مصادرة صاروخ جاهز أو طائرة مسيّرة مكتملة تختلف جذريًا عن ملاحقة شبكة تستورد محركات وإلكترونيات وآلات تشغيل دقيقة ومواد تدخل في التصنيع، ثم تعيد تجميعها في مواقع داخلية.
ففي الحالة الأولى، يمكن أن يؤدي ضبط الشحنة إلى حرمان الجماعة من منظومة سلاح محددة؛ أما في الحالة الثانية، فإن استمرار تدفق المكونات والمعرفة الفنية يمنحها فرصًا لإعادة الإنتاج والتعويض، وربما تطوير قدراتها تدريجيًا.
وتتضاعف خطورة هذا التحول عندما تُستخدم معدات صناعية مدنية ذات استخدام مزدوج، يمكن توظيفها في أنشطة اقتصادية مشروعة أو في تصنيع مكونات عسكرية. وهذا يجعل التمييز بين التجارة الطبيعية والإمدادات الموجهة إلى البرامج العسكرية أكثر تعقيدًا، ويضعف فعالية الإجراءات التي تركز على الشحنات المعروفة مسبقًا دون تحليل شبكة الموردين والمشترين والوسطاء.
إيران.. الدعم الذي يتجاوز نقل الأسلحة
يضع التقرير إيران في مركز المنظومة التي أسهمت في تطوير القدرات العسكرية الحوثية، لا باعتبارها مصدرًا محتملًا لشحنات السلاح فحسب، بل بوصفها مصدرًا للتصميم والخبرة والتدريب والمعرفة التقنية اللازمة لتشغيل منظومات أكثر تعقيدًا.
وتعزز هذه الخلاصة نتائج سابقة لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن. فقد أشار تقرير الفريق الصادر عام 2024، ضمن الوثيقة الأممية S/2024/731، إلى تشابهات بين أسلحة يستخدمها الحوثيون ومنظومات تنتجها إيران أو تستخدمها جماعات مسلحة مرتبطة بها، كما تناول الأدلة على انتقال المعرفة الفنية والرسومات والمكونات من الخارج.
وتكمن أهمية هذا الارتباط في أن نقل المعرفة يختلف عن تسليم السلاح؛ فالسلاح قد يُستهلك أو يُدمّر، لكن الخبرة الفنية يمكن أن تبقى لدى الكوادر المدربة، وتُستخدم لإعادة بناء القدرات أو تطويرها. وبذلك لا تصبح المشكلة مرتبطة بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة المتاحة في لحظة معينة، بل بقدرة الجماعة على تجديد مخزونها وإدامة برنامجها العسكري.

وهذا ما يجعل التعامل مع الإمدادات الحوثية مسألة تتطلب متابعة الأشخاص والكيانات المالية والتجارية ومسارات التدريب، إلى جانب ضبط الأسلحة نفسها.
الصين والأسواق العالمية.. في مقدمة مصادر الامدادات للحوثيين
من النتائج اللافتة في التقرير أن الصين جاءت في مقدمة مصادر منشأ المواد والمكونات التي وثّقها الباحثون ضمن الإمدادات المضبوطة المتجهة إلى الحوثيين خلال الفترة من 2021 إلى 2025.
وبحسب بيانات التقرير، بلغت حصة المواد ذات المنشأ الصيني نحو 35% من إجمالي المواد الموثقة، مقابل نحو 21% لإيران. وشملت هذه المواد مكونات إلكترونية وصناعية وقطعًا تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة وغيرها من المنظومات.
لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فكون المكونات صينية المنشأ لا يثبت، بمفرده، أن الحكومة الصينية تدير برنامج التسليح الحوثي أو تدعمه رسميًا. ويشير التقرير إلى عدم تقديمه دليلًا على تورط الدولة الصينية في هذا البرنامج.
المسألة، إذن، تتعلق بكيفية استغلال الأسواق التجارية العالمية، وشبكات الشراء والوساطة والشحن، للحصول على مواد يمكن تحويلها إلى استخدامات عسكرية. وقد تكون السلعة مشروعة في أصلها، بينما تصبح وجهتها النهائية وطريقة توظيفها جزءًا من نشاط تسليحي غير مشروع.
وهذا يفرض على الدول المصدرة وشركات الشحن والجهات الرقابية مسؤولية أكبر في تتبع المستفيد النهائي من المكونات الحساسة، والتحقق من أنشطة الشركات الوسيطة، وتعزيز الرقابة على السلع ذات الاستخدام المزدوج، من دون افتراض أن منشأ السلعة وحده دليل على مسؤولية الدولة المنتجة.
شبكة إمداد تمتد عبر البحر والبر والقرن الأفريقي
لا تعمل المنظومة الحوثية، وفق التقرير، عبر طريق واحد يمكن إغلاقه بسهولة، بل من خلال مسارات بحرية وبرية وتجارية متعددة، تتداخل فيها عمليات النقل والتخزين وإعادة الشحن والشراء عبر الوسطاء.
ويعرض الباحثون مسارات محتملة تشمل نقل المواد من إيران إلى اليمن، والاستفادة من شبكات في القرن الأفريقي، واستخدام الشحن التجاري الدولي، إلى جانب طرق برية تمر عبر مناطق مختلفة من اليمن والحدود الإقليمية.
كما يناقش التقرير أهمية جيبوتي وبعض المراكز اللوجستية في القرن الأفريقي، ويرصد مؤشرات على أن شبكات الإمداد قد تعيد توجيه عملياتها عند تعرض مساراتها التقليدية للمراقبة أو الاعتراض. أما بعض المسارات المحتملة المرتبطة بالسودان وإريتريا، فيعرضها الباحثون باعتبارها فرضيات ومؤشرات تحتاج إلى مزيد من التحقق، لا حقائق نهائية محسومة.
وتتجاوز هذه الشبكة حركة البضائع إلى شبكة بشرية تضم تجارًا ووسطاء وناقلين وواجهات تجارية، بعضهم قد يكون على علم بالطبيعة العسكرية للشحنات، فيما قد يتعامل آخرون معها بوصفها بضائع تجارية عادية.
وتمنح هذه البنية الجماعة مرونة لوجستية كبيرة؛ إذ إن تعطيل مسار بحري لا يعني بالضرورة توقف الإمدادات، كما أن إدراج شركة على قوائم العقوبات لا يضمن انتهاء النشاط إذا أمكن استبدالها بواجهة جديدة أو نقل عمليات الشراء إلى وسيط آخر.
وهكذا، تصبح المعركة ضد التهريب معركة ضد شبكة متحركة، لا ضد مجموعة من المهربين أو الشحنات المنفصلة.
لماذا لم تنجح الاعتراضات والعقوبات في وقف الإمدادات؟
تقدم نتائج التقرير تفسيرًا مهمًا لاستمرار تدفق المكونات العسكرية رغم عمليات الضبط والعقوبات والضربات التي استهدفت قدرات الحوثيين. فالمشكلة لا تتعلق بغياب الأدوات الأمنية وحدها، وإنما بتفاوت الجهود وتشتت المعلومات وتعدد الجهات المعنية، فضلًا عن قدرة الشبكات على تغيير أساليبها ومساراتها.
وفي هذا السياق، أشار فريق خبراء الأمم المتحدة في تقريره لعام 2025، الوثيقة S/2025/650، إلى استمرار تنويع الحوثيين سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، وإلى أن تهريب الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج ما زال يعزز قدراتهم العسكرية ويتجاوز قيود حظر السلاح.
كما تناول الفريق استمرار عمليات التهريب عبر الحدود البرية، إلى جانب الشحنات البحرية، بما يعكس اتساع نطاق المشكلة وصعوبة حصرها في مسار واحد.
أما على المستوى اليمني، فيربط تقرير «سينشري إنترناشونال» بين ضعف التنسيق المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ وتراجع تبادل المعلومات، وبين الصعوبات التي تواجه جهود مكافحة التهريب. ويبرز منطقة العبر في حضرموت نموذجًا لأهمية التنسيق بين الأجهزة المحلية، محذرًا من أن اختلال التعاون قد يبدد نتائج عمليات ضبط ناجحة.
ومن ثم، فإن الضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لإنهاء قدرة الجماعة على الحصول على المكونات أو إعادة إنتاج الأسلحة. كما أن العقوبات التي تستهدف أسماء محددة تفقد جزءًا من فعاليتها إذا لم تُستكمل بتعقب الشبكات المالية والتجارية واللوجستية التي تتيح استمرار النشاط.
والخلاصة هنا أن النجاح التكتيكي في اعتراض شحنة لا يساوي بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا في تفكيك منظومة الإمداد.
الانقسام اليمني.. ثغرة تستفيد منها شبكات التهريب
يكتسب البعد اليمني أهمية خاصة في التقرير؛ إذ لا يمكن فصل تمدد شبكات الإمداد عن ضعف مؤسسات الدولة، والانقسام الأمني والعسكري، وتعدد مراكز القرار في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية.
فحين تعمل الأجهزة الأمنية والجمارك وخفر السواحل ضمن منظومات منفصلة، وتتراجع قدرتها على تبادل المعلومات، تصبح الحدود والمنافذ والطرق الداخلية أكثر عرضة للاختراق. وحين تتأخر الرواتب أو تضعف الموارد والرقابة، تتسع مخاطر الفساد والضغط على المسؤولين المكلفين بضبط الشحنات.
ولا يعني ذلك أن الانقسام وحده يفسر تطور القدرات الحوثية، لكنه يوفر بيئة تساعد شبكات الإمداد على استغلال الثغرات المؤسسية، وإعادة توزيع أنشطتها بين مناطق لا تتكامل فيها الرقابة.
ومن هنا، فإن استعادة فاعلية مؤسسات الدولة ليست مسألة سياسية وإدارية فحسب، بل شرط أمني مباشر للحد من تدفق السلاح والمكونات العسكرية. فكلما امتلكت الحكومة الشرعية أجهزة أكثر تنسيقًا، وموارد مستقرة، وسلطة واضحة على المنافذ والحدود، تقلصت المساحات التي يمكن للشبكات غير المشروعة التحرك عبرها.
وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام يمنح الحوثيين فرصة لمراكمة القدرات وتوسيع علاقاتهم التجارية واللوجستية، بما يصعّب أي محاولة لاحقة لتفكيك بنيتهم العسكرية.
من أمن اليمن إلى أمن التجارة الدولية
إن أخطر ما يكشفه التقرير هو أن قدرات الحوثيين لم تعد مسألة يمنية داخلية يمكن احتواؤها ضمن حدود البلاد، بل أصبحت مرتبطة بأمن الممرات البحرية الدولية، وسلاسل التجارة، وانتشار تقنيات الطائرات المسيّرة والصواريخ بين الجماعات المسلحة.
فالبحر الأحمر وباب المندب ليسا مجرد ممرين جغرافيين، بل شريانان مهمان لحركة التجارة الدولية. وأي تهديد مستمر للملاحة فيهما ينعكس على حركة السفن وكلفة التأمين والشحن، ويزيد المخاطر على الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها اليمن.
ويحذر التقرير، في سياق أوسع، من أن النموذج الحوثي قد يتحول إلى مثال قابل للتكرار لدى جماعات مسلحة أخرى: دعم خارجي يوفر الخبرة، وأسواق عالمية تتيح المكونات، وشبكات تهريب تؤمن النقل، وقدرات محلية تتيح التجميع والتطوير.
وهذا الاحتمال يجعل احتواء المنظومة الحوثية مصلحة دولية مشتركة، لا مجرد استجابة لتهديد عابر أو أزمة ملاحة مؤقتة.
ما المطلوب؟ تفكيك المنظومة بدلًا من مطاردة الشحنات
يقترح التقرير الانتقال من الاستجابة المتفرقة إلى استراتيجية متعددة الأطراف، تتعامل مع سلسلة الإمداد بكاملها، بدءًا من مصادر المكونات والوسطاء، مرورًا بمسارات النقل والتخزين، وصولًا إلى مواقع التجميع والتصنيع.
ويمكن تلخيص أبرز متطلبات هذه المقاربة في خمسة مسارات مترابطة:
توحيد المعلومات الاستخباراتية: إنشاء آليات فعالة لتبادل بيانات الشحنات والشركات والأشخاص ومسارات السفن بين الحكومة اليمنية والدول الإقليمية والشركاء الدوليين.
تعزيز قدرات الدولة اليمنية: دعم الجمارك وخفر السواحل والأجهزة الأمنية المختصة، وتوفير التدريب والمعدات والتمويل المستدام، مع رفع مستوى الرقابة والمساءلة.
تشديد الرقابة على سلاسل التوريد: تتبع المكونات ذات الاستخدام المزدوج والتحقق من المستفيد النهائي منها، وملاحقة الشركات والوسطاء المتورطين بأدلة موثوقة، بدل الاكتفاء بمصادرة الشحنات بعد وصولها إلى مراحل متقدمة.
تنسيق الرقابة البحرية والبرية: التعامل مع الموانئ والمعابر والطرق الداخلية باعتبارها حلقات مترابطة، بحيث لا يؤدي تشديد الرقابة على مسار إلى انتقال النشاط ببساطة إلى مسار آخر.
استدامة الإرادة السياسية: توفير تعاون دولي طويل الأمد يتجاوز الاستجابة المؤقتة للهجمات على السفن، ويربط حماية الملاحة بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية التي تهددها.
ولا ينبغي أن يتحول تشديد الرقابة إلى تعطيل غير مبرر للتجارة المدنية أو المساعدات الإنسانية، بل يجب أن يستند إلى معلومات دقيقة وإجراءات قانونية واضحة تميز بين النشاط التجاري المشروع وشبكات الإمداد العسكرية غير المشروعة.
السلاح ليس المشكلة الوحيدة
يقدم تقرير «من المهربين إلى سلاسل التوريد» قراءة تتجاوز السؤال التقليدي: من أين يحصل الحوثيون على السلاح؟ ليطرح سؤالًا أكثر أهمية: كيف يستطيعون الاستمرار في إنتاج قدراتهم العسكرية وتطويرها رغم الضربات والاعتراضات والعقوبات؟
والإجابة، وفق ما خلص إليه الباحثون، تكمن في منظومة مترابطة تجمع الدعم التقني الخارجي، والمكونات المتاحة في الأسواق العالمية، والوسطاء وشبكات النقل، والقدرات المحلية على التجميع والتصنيع، في ظل ثغرات أمنية ومؤسسية تساعد على استمرارها.
وتعزز نتائج التقرير ما خلصت إليه تقارير خبراء الأمم المتحدة بشأن تنوع مصادر الإمداد واستمرار وصول المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى الحوثيين. لكنها لا تعني أن جميع تفاصيل الشبكة باتت معروفة، أو أن كل مسار مشتبه به قد ثبتت مسؤوليته بصورة قاطعة.
إن مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية لا يمكن أن تظل رهينة ردود الفعل بعد كل هجوم، أو محصورة في اعتراض سفينة وضرب منصة إطلاق وفرض عقوبة على اسم جديد. المطلوب هو تجفيف مصادر الإمداد، وتعقب شبكات التمويل والشراء والنقل، ومنع انتقال المعرفة العسكرية، وتعزيز مؤسسات الدولة اليمنية القادرة على فرض القانون وحماية المنافذ.
فحين تتحول جماعة مسلحة إلى منظومة عسكرية عابرة للحدود، لا يكفي تعطيل جزء من ترسانتها؛ بل يصبح تفكيك البيئة التي تنتج تلك الترسانة وتغذيها شرطًا لاستعادة الدولة اليمنية، وحماية المدنيين، وصون أمن المنطقة والملاحة الدولية.


