28.2 C
الجمهورية اليمنية
9:09 مساءً - 20 يونيو, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

حين يصبح الضجيج بديلاً عن الإنجاز.. أزمة النخب في زمن الحرب

بشرى العامري:

في الدول التي تعيش أزمات ممتدة وصراعات متشابكة، يُفترض أن تضطلع النخب السياسية والإعلامية بدور محوري في تقديم الرؤى والحلول، وبناء جسور الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، والمساهمة في توجيه الرأي العام نحو قضايا التنمية والاستقرار. غير أن المتابع للمشهد السياسي في كثير من البلدان العربية، ومنها اليمن، يلحظ اتساع الفجوة بين ما يحتاجه المواطن وما يقدمه جزء كبير من المتصدرين للمشهد العام.

فبدلاً من أن تتحول المنصات السياسية والإعلامية إلى فضاءات للنقاش المسؤول وتقديم المبادرات والأفكار القادرة على معالجة الأزمات، أصبحت في كثير من الأحيان ساحات مفتوحة للمناكفات اليومية، وتبادل الاتهامات، وتصفية الحسابات السياسية، وإعادة إنتاج الانقسامات القائمة.

وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: ما القيمة المضافة الحقيقية التي يقدمها هؤلاء للمجتمع وللقضية الوطنية؟

لا يمكن إنكار أن العمل السياسي بطبيعته يقوم على الاختلاف والتنافس، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الصراع غاية بحد ذاته، وعندما تتحول المعركة السياسية إلى حالة دائمة من الاستقطاب الحاد الذي يستهلك طاقات المجتمع ويشغل الرأي العام عن القضايا الأساسية. فالمواطن الذي يواجه أعباء المعيشة المتزايدة، وتحديات الخدمات الأساسية، وتراجع فرص العمل، لا يجد في كثير من الخطابات المتداولة ما يلامس همومه اليومية أو يقدم له أملاً واقعياً بمستقبل أفضل.

ولعل من أكثر ما يثير القلق في المشهد اليمني الراهن، تراجع حضور القضية الوطنية الكبرى المتمثلة في استعادة الدولة وإنهاء انقلاب مليشيا الحوثي وتحرير صنعاء من سيطرتها.

فبعد سنوات من الحرب والتضحيات، لم تعد هذه القضية تتصدر الخطاب السياسي والإعلامي بالقدر الذي يوازي أهميتها، بل باتت تتوارى تماماً خلف ضجيج الخلافات الجانبية والمعارك الإعلامية اليومية.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن رؤى واضحة وخططاً عملية لاستعادة مؤسسات الدولة وبناء اليمن على أسس العدالة والمواطنة المتساوية، تبدو التصريحات الرسمية في كثير من الأحيان منشغلة بقضايا آنية وخلافات فرعية لا تمس جوهر المعركة الوطنية.

هذا التشتت لا يضعف فقط حضور الهدف الاستراتيجي الجامع، بل يهدد أيضاً بإرهاق الوعي العام وإبعاده عن القضية التي يفترض أن تشكل نقطة الالتقاء الأساسية لكل القوى الوطنية الساعية إلى استعادة الدولة وبناء مستقبل اليمن.

وتزداد خطورة المشهد مع الانتشار الواسع للمعلومات المضللة أو المجتزأة، والتي تُستخدم أحياناً كأدوات في الصراع السياسي والإعلامي. فالإغراق المستمر بالمحتوى المتناقض والرسائل المتصارعة لا يؤدي فقط إلى تشويش الوعي العام، بل يخلق حالة من فقدان الثقة في المعلومات ذاتها، حتى تلك التي تستند إلى حقائق موثقة.

وعندما تصبح الحقيقة ضحية للصراع، يخسر المجتمع أحد أهم مقومات قدرته على اتخاذ المواقف السليمة.

ومن أبرز التحديات التي يفرزها هذا الواقع، غياب النماذج الملهمة والقدوات القادرة على التأثير الإيجابي في الأجيال الجديدة. فالشباب الذين ينظرون إلى المشهد العام بحثاً عن شخصيات تمثل النزاهة والكفاءة والإنجاز، يجدون أنفسهم أمام خطاب يغلب عليه الصخب أكثر من الفعل، والشعارات أكثر من النتائج، والولاءات الضيقة أكثر من الانحياز للمصلحة الوطنية.

إن المجتمعات الخارجة من الأزمات لا تحتاج فقط إلى سياسيين يجيدون إدارة الخلافات، بل إلى شخصيات قادرة على إنتاج الأفكار، وصناعة المبادرات، وبناء المؤسسات، وتقديم نماذج عملية للنجاح والمسؤولية.

كما تحتاج إلى خطاب يعزز الثقة والأمل، بدلاً من تكريس الإحباط والانقسام.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة الشخصيات العامة بعدد متابعيها أو حجم حضورها الإعلامي، وإنما بما تتركه من أثر ملموس في حياة الناس.

فالمواطن البسيط لا يبحث عن مزيد من الضجيج، بل عن حلول حقيقية لمشكلاته، وعن قيادات تشعر بمعاناته وتعمل من أجل مستقبله. وبينما تستمر المعارك السياسية والإعلامية في استهلاك مساحة واسعة من المشهد، يبقى السؤال معلقاً: متى يصبح الإنجاز هو المعيار الحقيقي للحضور؟ ومتى تستعيد قضية استعادة الدولة وتحرير صنعاء وبناء اليمن مكانتها بوصفها الهدف الوطني الجامع؟ ومتى تتقدم المصلحة العامة على حساب الضجيج الذي لا يغيّر من واقع الناس شيئاً؟

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد