موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

البردوني.. الحداثة في قلب العمود

بشرى العامري :

حين يُستدعى الشعر العربي المعاصر في بلادنا، يتقدّم اسم عبدالله البردوني بوصفه علامة فارقة لا تُشبه سواها، حضوراً يتجاوز الجغرافيا، ويصنع من التجربة الفردية أفقا إنسانيا رحبا. لم يكن البردوني مجرد شاعرٍ بارز، بل كان ظاهرة أدبية متكاملة، يتجاور فيها الإبداع مع الكفاح، والرؤية مع المعاناة، في سيرةٍ لا تقل إدهاشا عن شعره.

وُلد عام 1929 في قرية البردون بمحافظة ذمار، وفقد بصره طفلاً إثر إصابته بالجدري، لكنه عوّض فقدان الضوء ببصيرة نافذة، جعلته يرى ما لا يُرى، ويقرأ ما وراء الوقائع.

لذلك لم يكن غريبا أن يُلقّب بـ”معرّي اليمن”، إحالة إلى أبو العلاء المعري، غير أن البردوني سرعان ما شقّ لنفسه مسارا خاصا، أكثر التصاقا بواقعه، وأكثر اشتباكا مع زمنه.

في عالم أخذت فيه القصيدة العمودية تُزاحمها تيارات الحداثة، جاء البردوني ليقلب المعادلة، لا بهدم العمود الخليلي، بل بإعادة بعثه من الداخل. لقد أثبت، في دواوينه الممتدة من “أرض بلقيس” إلى “رجعة الحكيم”، أن الشكل الكلاسيكي ليس قيدا، بل وعاءً قادرا على احتضان أقصى درجات التجديد.

وهنا تتجلى عبقريته، حداثةٌ تسكن البنية القديمة، دون أن تُفقدها توازنها أو موسيقاها.

تميّزت لغته الشعرية بفرادتها؛ قاموس خاص، اشتقاقات جريئة، وسخرية لاذعة تتخفى خلف صورٍ رمزية كثيفة.

 لم يكن يكتب القصيدة بوصفها زخرفا لغويا، بل باعتبارها موقفا فكريا، ورؤيةً نقدية للعالم.

ومن خلال أدوات مثل الحوار، والطباق، والمقابلة، منح نصوصه عمقا فلسفيا، وجعل من السخرية أداةً لكشف التناقضات، لا للهروب منها.

وفي قلب هذه التجربة، يبرز المكان بوصفه بطلا شعريا.

 لم تكن صنعاء عند البردوني مجرد مدينة، بل كائنا حياً، يتألم ويقاوم ويُخاطب.

 تحوّلت إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه الأزمنة، وتتصادم فيه الأحلام مع الخيبات.

وفي مخاطبته لها، كان الشاعر يُخاطب وطناً كاملا، بل أمةً بأسرها:

يقول مخاطبا صنعاء :

فظيعٌ جهلُ ما يجري

وأفظعُ منه أن تدري

وهل تدرين يا صنعاءُ

من المستعمر السري؟

غزاة لا اشاهدهم

وسيف الغزو في صدري.

بهذه النبرة، جمع البردوني بين الحس الوطني والبعد القومي، بين المحلي والإنساني، فجاء شعره وثيقةً حيةً لمرحلةٍ مضطربة، وصوتا لا يهادن في وجه القهر.

لم تكن مواقفه السياسية أقل جرأة من شعره؛ عارض الاستبداد في زمن الإمامة، فسُجن في عهد أحمد بن يحيى حميد الدين على خلفية تأييده لـثورة الدستور 1948، ثم ظلّ، في العهود اللاحقة، صوتا نقديا لا يساوم، يتعرض للمضايقات لكنه لا يتراجع.

لقد كان شاعرا منحازا للناس، يرى في الشعر مسؤولية، لا ترفا.

أما على مستوى الحضور العربي، فقد كرّست قصيدته الشهيرة “أبو تمام وعروبة اليوم” مكانته كشاعرٍ مجدد، حين ألقاها في الموصل عام 1971، فبدت كصرخةٍ مدوّية في وجه واقعٍ عربي مأزوم.

( ماذا أُحدّث عن صنعاء يا أبتي؟

مليحةٌ عاشقاها: السلُّ والجربُ

ماتت بصندوق (وضاح) بلا ثمنٍ

ولم يمتْ في حشاها العشقُ والطربُ

كانت تراقبُ صبحَ البعث فانبعثتْ

في الحلم ثم ارتمت تغفو وترتقبُ)

هنا، يبلغ التوتر بين الجمال والانهيار ذروته، وتتحول الصورة الشعرية إلى مرآةٍ قاسية للحقيقة.

أصدر البردوني اثني عشر ديوانا بين 1961 و1994، ونال جوائز مرموقة، منها جائزة شوقي في القاهرة، وجائزة سلطان العويس، إضافة إلى تكريم اليونسكو التي خلدت صورته على عملة فضية.

 غير أن أعظم جوائزه ظلّت حضوره الحي في الوجدان العربي، بوصفه شاعرا استثنائياً، جمع بين عمق الفكر ووهج الشعر.

في النهاية، لا يمكن قراءة تجربة عبدالله البردوني إلا بوصفها انتصارا للقصيدة على قيودها، وللإنسان على عتمته. لقد جعل من العمى نافذة، ومن العمود أفقا، ومن الشعر سلاحاً يرى به العالم… ويُعيد تشكيله.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد