موقع اليمن الاتحادي
Image default
- أهم الأخبارفن وثقافة

الأخضر.. حين يتحوّل اللون إلى قصيدة في اللسان اليمني

بشرى العامري:

في فضاء اللغة، ليست الكلمات مجرد أدوات للتواصل، بل كائنات حيّة تحمل ذاكرة الشعوب وروحها. هكذا تبدو اللهجة اليمنية، وهي تُغرّد خارج السائد، متفردةً في مفرداتها، ثريةً في دلالاتها، حتى لتغدو مرآةً لوجدانٍ جمع بين البساطة والعمق، وبين الحسّ الشعبي والذائقة الجمالية الرفيعة.

ومن بين تلك المفردات التي تستوقف السامع وتثير دهشته، يأتي وصف “الأخضر” أو “الخُضراني”، ليس بوصفه لونا جامدا، بل كحالة جمالية متكاملة. ففي التراث اليمني، يُطلق هذا الوصف على صاحب البشرة السمراء الجذابة، ذلك اللون القمحي الذي يجمع بين دفء الأرض ونقاء الضوء، في توازنٍ يراه اليمنيون ذروة الحسن، لا مجرد درجة لونية عابرة.

هذا الاستخدام ليس عفويا، بل هو تعبير عن حسّ ثقافي عميق يرى الجمال في الامتلاء بالحياة، في الحيوية والارتواء.

لذلك، حين تقول الأغنية الشعبية

 “أخضر جهيش مليان حلى عديني”،

فهي لا تصف لونا بقدر ما ترسم صورةً مكتملة للشباب، للنضارة، ولتلك الجاذبية التي تنبع من الداخل قبل أن تُرى في الملامح.

وقد وجدت هذه المفردة طريقها إلى الغناء اليمني، حيث تغنّى بها محمد مرشد ناجي في أعمالٍ خالدة كتبها سعيد الشيباني، مثل قوله: “والأخضري من العدين بكر مشدته بيضاء ومشقره أخضر”،

في لوحةٍ شعرية تمزج بين الجمال والزيّ التقليدي، وتمنح الكلمة أبعادًا تتجاوز معناها المباشر.

وليس بعيدا عن ذلك، يرد النداء الشعبي

“ألا يا طير يا الأخضر وين بالقاك الليلة”،

 حيث يتحوّل “الأخضر” إلى رمزٍ للحبيب، أو للحلم، أو لذلك الشيء الجميل الذي يُفتقد ويُرتجى لقاؤه. هنا، تتسع الكلمة لتحتضن العاطفة، وتغدو جزءًا من الذاكرة الغنائية التي تتناقلها الأجيال.

إنها خصوصية اللهجة اليمنية التي لا تكتفي بوصف الأشياء، بل تعيد خلقها. تجعل من اللون إحساسا، ومن المفردة صورة، ومن اللغة أغنية.

ولهذا، لا غرابة أن تبدو هذه اللهجة وكأنها تُغنّي حتى في حديثها العابر، حاملةً إرثًا لغويا فريدا، يُثبت أن في التفاصيل الصغيرة تكمن هوية الشعوب، وأن في كلمة واحدة… قد يسكن جمال وطنٍ بأكمله.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد