22 C
الجمهورية اليمنية
2:37 صباحًا - 17 أكتوبر, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

من «مترو الرياض» إلى خنادق الابتزاز السياسي.. حين تتحول المظلومية إلى أداة لمهاجمة الشرعية

بشرى العامري:

في مترو الرياض، تختصر حكاية امرأة يمنية جانباً من المفارقات التي تطبع مواقف بعض المحسوبين على المشهد اليمني.

 امرأة شرّدتها مليشيا الحوثي من صنعاء، وصادرت وظيفتها وأوقفت راتبها، ثم انتهى بها المطاف إلى مهاجمة الشرعية التي سعت للحصول منها على وظيفة ومكاسب، والحنين إلى عهود سياسية أسهمت في إيصال اليمن إلى الكارثة التي يعيشها حتى اليوم، ووصف مليشيا الحوثي الارهابية باوصاف البطولة والشهامة..

كانت المرأة معلمة في إحدى المدارس الحكومية بالعاصمة صنعاء. ومع اجتياح الحوثيين للعاصمة، فرت تلم المراة إلى المملكة العربية السعودية برفقة زوجها الإعلامي وأطفالها، تاركة منزلها ووظيفتها وأهلها وكل ما بنته في سنوات عمرها. استولى الحوثيون على درجتها الوظيفية، وأوقفوا راتبها، ومنحوا الدرجة لإحدى الزينبيات المنضويات لامرتهم، في صورة تختصر عبث المليشيا بالوظيفة العامة وتحويلها إلى غنيمة للموالين.

لكن رحلة المرأة لم تتوقف عند خسارة الوظيفة. فقد بدأت البحث عن فرص لدى الحكومة الشرعية، وطالبت بإدراج اسمها في كشوفات الإعاشة، ثم سعت إلى الالتحاق بصف الإعلاميات العاملات في القنوات الفضائية رغم أنها لاتملك أي تخصص أو مهارة في العمل الاعلامي. وتوجهت لاحقاً إلى القاهرة، حيث حضرت دورة تدريبية لثلاثة أيام نظمتها منظمة مجتمع مدني عن فض النزاعات والتنمية المستدامة، لتتحدث عن تأهيلها للعمل الدبلوماسي، وسعت إلى وظيفة في وزارة الخارجية، مستعينة بالوساطات والعلاقات، لكنها لم تحصل على ما أرادت.

حتى زوجها، الذي أصبح مستشاراً إعلامياً فجأة، لم ينجح أو لم يرد دعمها كما كانت تردد، في توفير الوظيفة التي كانت تطمح إليها لتحظى بالحصول على راتب إعاشة اسوة بكثيرين قاموا بالفعل نفسه ونجحوا في ذلك.

وعندما تعثرت مساعيها، عادت تبحث عن راتبها المقطوع في صنعاء، وراجعت الجهات المعنية في أمانة العاصمة، لكنها لم تجد مرادها.

وهنا أخذت الحكاية منحى آخر، إذ تحولت إلى مهاجمة الشرعية وقياداتها في كل مناسبة، وراحت تستحضر عهد علي صالح والترحم على أيامه، لأنه كان يعطيها راتبا دون انقطاع، رغم أن تحالف صالح مع الحوثيين ومساهمته في تمكينهم كانا جزءاً من الطريق الذي أوصل البلاد إلى الكارثة اليوم، قبل أن ينقلبوا عليه ويقتلوه.

يعني امرأة هربت من الحوثي بعدما صادر وظيفتها وقطع راتبها، ثم أصبح غضبها موجهاً إلى الشرعية، فيما تراجع الحوثي، الذي تسبب في تهجيرها ومصادرة حقها الوظيفي، إلى خلفية المشهد.

ولم تكن المرأة محرومة من كل أوجه الدعم في المملكة، فقد حصلت هي وأطفالها على إقامة حكومية اعلامية قبل كثير من الإعلاميين والإعلاميات العاملين في المؤسسات الرسمية، ممن لم يحصل بعضهم عليها حتى اليوم. كما شاركت في فعاليات ومهرجانات، واستفادت من أوجه دعم وتسهيلات متعددة.

وحصلت ابنتها على مقعد دراسي في كلية الطب بالقاهرة، وهو ما كانت تتفاخر به أمام معارفها، كما تلقى ابنها العلاج بعد تعرضه لحادث أثناء التفحيط مع أصدقائه بسيارة عند وادي نمار على نفقة المملكة، ثم حصل على منحة علاجية في القاهرة على حساب الدولة، حد قول كثير من المقربين حولها.

لا يعني ذلك أن هذه المساعدات تلغي حقها في وظيفة أو راتب، لكنها تضع تحول موقفها في سياقه وتثير سؤالاً مشروعاً، كيف يتحول عدم الحصول على مكسب شخصي إلى خصومة مفتوحة مع الشرعية، بينما لا يحظى الحوثي، الذي صادر الوظيفة والراتب وشرد الأسرة، بالموقف النقدي نفسه؟

هذه هي المفارقة التي تجعل من حكاية مترو الرياض مدخلاً إلى ظاهرة أوسع، لأشخاص يجعلون مواقفهم السياسية مرهونا بما يحصلون عليه من منافع، فإذا فُتحت لهم أبواب المكاسب هدأت أصواتهم، وإذا أُغلقت انقلبوا على كل شيء، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تمجيد خصوم الدولة والتقليل من جرائمهم.

من حق كل يمني أن يطالب بوظيفته وراتبه، وأن ينتقد الشرعية ويفضح فسادها وأخطاءها، لكن ثمة فرق بين المطالبة بالحقوق والنقد من أجل الإصلاح، وبين اتخاذ عدم الحصول على منصب أو مكسب ذريعة لمهاجمة الدولة وتبديل المواقف تجاه خصومها.

فالشرعية ليست مكتب توظيف خاصاً، وعدم حصول شخص على وظيفة لا يبرر تبييض سجل الحوثيين، كما أن الفساد وسوء الإدارة لا يعفيان المليشيا من مسؤولية الانقلاب ومصادرة الحقوق وتشريد المواطنين.

إن جوهر الانتهازية السياسية هو أن يصبح الموقف تابعاً للمصلحة، وأن تتقدم المكاسب الشخصية على المبادئ، وأن يُدان الفساد حين يصدر عن الخصم، بينما يُتغاضى عن جرائم المليشيا عندما تتعارض إدانتها مع الحسابات الشخصية.

لكن ثمة نموذجاً آخر لا يقل خطورة، بل يكشف تناقضاً أشد وضوحاً.

فالأخطر.. هم من يستفيدون من الدولة ويعملون على تقويضها

فهناك أشخاص يتقاضون رواتبهم من مؤسسات الشرعية، ويشغلون مناصب فيها، ويحصلون على المخصصات والامتيازات، ثم يواصلون مهاجمتها واتهامها بالفساد والخنوع والفشل، والتشكيك في كل خطوة تتخذها والتغاضي عن أي إنجاز تحققه.

ولا تكمن المشكلة في حصولهم على المناصب أو في انتقادهم الحكومة، فالموقع الوظيفي لا يسلب الإنسان حقه في المعارضة، ولا يفرض عليه تأييد كل قرار.

لكن المشكلة في الانتقائية التي تجعل الشرعية هدفاً دائماً للهجوم، بينما تغيب الإدانة الواضحة لجرائم الحوثي، أو يُهوَّن من الانقلاب ومصادرة الحقوق وتقويض مؤسسات الدولة.

هؤلاء يستفيدون من موارد الدولة، لكن بعضهم يتعامل معها كأنها مجرد مصدر للمنافع، لا مسؤولية وطنية تستوجب الحرص على مؤسساتها والعمل على إصلاحها.

وحين يتحول النقد إلى تضليل متعمد، أو تبرير للانقلاب، أو تقويض للثقة بالدولة دون تمييز بين أخطاء المسؤولين ومؤسساتها، فإن الأمر يتجاوز المعارضة المشروعة إلى سلوك يضر بالمشروع الوطني.

ومن يقاتل في صفوف الحوثيين يقوض الدولة بالسلاح، لكن من يعمل على إضعافها من الداخل، أو يمنح الانقلاب غطاءً سياسياً وإعلامياً، قد يؤدي دوراً بالغ الخطورة في نتائجه، وإن اختلفت الوسائل والمسؤوليات. فليس كل من يقوض الدولة يحمل السلاح، بعضهم يفعل ذلك بالكلمة والتضليل واستغلال النفوذ.

فنقد الشرعية لا يعني تبرئة الحوثي.

وتعيدنا حكاية مترو الرياض إلى سؤال يتجاوز صاحبتها، لماذا يشتد خطاب بعض اليمنيين ضد الشرعية كلما تعثرت مصالحهم، بينما يتراجع غضبهم تجاه الحوثي الذي صادر الحقوق وشرد الأسر؟ ولماذا يهاجم آخرون الدولة من داخل مناصبها وامتيازاتها، ولا يمنحون جرائم المليشيا القدر نفسه من الإدانة؟

الشرعية تحتاج إلى إصلاح ومحاسبة، وضمان عدالة توزيع الفرص، ومواجهة الفساد والمحسوبية. لكن إصلاحها لا يتحقق بتبييض سجل الحوثي، ولا بتحويل الأخطاء الحكومية إلى مبرر لتبرير الانقلاب أو التقليل من جرائمه.

الموقف الوطني المتوازن هو الذي يدين الفساد أياً كان مرتكبه، ويحاسب المسؤول المقصر، ويدافع عن حقوق المواطنين، وفي الوقت نفسه يواجه المشروع الحوثي الذي صادر الدولة وشرد اليمنيين. أما الانتقائية التي تضخم أخطاء طرف وتغض الطرف عن جرائم الطرف الآخر، فلا تخدم الإصلاح، بل تعمق الانقسام وتضعف الثقة بالمؤسسات.

حكاية مترو الرياض تذكير بأن المظلومية لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، وأن الحرمان من مكسب لا يبرر تبييض سجل من صادر الحقوق، كما أن الاستفادة من الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتقويضها.

من أراد وظيفة فليطالب بها، ومن رأى فساداً فليكشفه، ومن امتلك دليلاً على تقصير مسؤول فليحاسبه.

لكن من أراد أن يتحدث باسم الوطن، فعليه أن يضع مصلحة اليمن فوق مصالحه الشخصية، وأن يطالب بإصلاح الشرعية دون أن يمنح الحوثي صك براءة.

فاليمن لا يحتاج إلى من يصفق للشرعية في كل شيء، ولا إلى من يهدمها في كل شيء، بل إلى من يحاسبها حين تخطئ، ويدعم إصلاحها حين تصيب، ويدين الحوثي بوضوح، ولا يبدل مواقفه الوطنية بتبدل مصالحه.

أما أن يسلب الحوثي راتبك ويصادر وظيفتك ويهجّرك من وطنك، ثم يصبح غضبك كله موجهاً إلى الشرعية لأنها لم تمنحك منصباً، فتلك هي المفارقة التي تختصر مأساة المواقف حين تتحول المصالح الشخصية إلى بوصلة سياسية تسير وفق نهجها.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد