25.8 C
الجمهورية اليمنية
12:46 صباحًا - 22 أكتوبر, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

اليمن.. خيمة عزاء كبيرة توزّع فيها مليشيا الحوثي الموت والحزن

بشرى العامري:

خيّم الحزن، يوم أمس الأول الاثنين، على أكثر من 60 منزلاً في محافظة شبوة، بعد أن حوّل القصف الصاروخي الحوثي لمعسكر العلم إلى فاجعةٍ ثقيلة، محدثا مجزرة مروعة أحالت عشرات المجندين إلى جثامين وجرحى، ليجد آباء وأمهات أنفسهم فجأة أمام أقسى لحظات العمر، جراء فقدان أبنائهم.

لم تكن الصواريخ الثلاثة التي استهدفت المعسكر مجرد انفجارات دوّت في المكان، بل كانت زلزالاً امتد أثره إلى بيوتٍ كثيرة، حيث انطفأت أحلام، وانكسرت قلوب، وبدأت حكايات الفقد التي لا تنتهي بانتهاء مراسم الدفن.

ومع ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 58 قتيلاً وأكثر من 200 مصاب، وفق ما أعلنه محافظ شبوة صباح أمس الثلاثاء، تتسع دائرة المأساة لتكشف حجم الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه اليمنيون جراء العنف المتواصل الذي تسببه مليشيا الحوثي الإرهابية كل يوم.

لكن شبوة ليست الحكاية الوحيدة في وطنٍ أثقلته الفواجع. ففي تعز، كانت المجزرة لاتقل قساوة عنها، حين امتد القصف الحوثي ظهر أمس الثلاثاء إلى عمارة سكنية، ليحوّل حياة سكانها إلى لحظات من الرعب والموت، فيما كانت أسرٌ تجتمع على مائدة الغداء البسيطة، قبل أن يقتحم القصف يومها ويبدد أمانها.

ولم تتوقف المأساة عند ذلك، إذ استهدفت مليشيا الحوثي سيارة إسعاف كانت تنقل طفلة مصابة، لتسقط السيارة بمن فيها، ويُقتل جميع من كانوا على متنها، في مشهد يجسد قسوة الاعتداء على المدنيين، حتى أولئك الذين يحاولون إنقاذ الأرواح.

ويذكرنا بجرائم مشابهه لقصف سيارات الاسعاف والمسعفين التي ترتكيها اسرائيل بعد كل مجزرة بشعة تىتكبها في فلسطين، فهما وجهان مختلفان لارهاب واحد وعدو واحد ضد الابرياء والمسلمين.

اليوم في شبوة، عائلات تنتظر أبناءها الذين لن يعودوا، وفي تعز، أمهات يحملن جثامين بناتهن، وبيوت فقدت دفء أهلها، ومسعفون دفعوا حياتهم ثمناً لمحاولة إنقاذ مصابة.

تتعدد مواقع الفاجعة، لكن الوجع واحد، والقاتل في هذه المشاهد هو العنف الذي لا يترك للمدنيين مساحة آمنة للحياة.

ومن صعدة إلى تعز التي طالها القصف والحصار لسنوات، إلى حجة ومأرب وصنعاء وإب ومعظم المناطق الأخرى التي شهدت وما تزال تشهد القتل والتهجير والترويع، تتكرر المشاهد ذاتها: أمٌّ تنتحب، وأبٌ يودع ابنه، وطفلٌ ينتظر عودة أبيه، وبيتٌ يفقد صوته ودفئه برحيل أحد أفراده.

لقد حوّلت ممارسات مليشيا الحوثي الإرهابية حياة اليمنيين إلى رحلة شاقة بين الخوف والفقد والنزوح، حتى بات الموت خبراً يقتحم البيوت دون استئذان، وأصبحت خيام العزاء تمتد من منطقة إلى أخرى، وكأن البلاد كلها تعيش مأتماً مفتوحاً لا يعرف موعداً للانتهاء.

والفاجعة الحقيقية لا تقف عند عدد القتلى والجرحى، فخلف كل رقم أسرةٌ تتبدل حياتها إلى الأبد، وأحلامٌ تُدفن مع أصحابها، وأمهاتٌ سيظل الانتظار ينهش قلوبهن، وأطفالٌ سيكبرون وفي ذاكرتهم مقعد فارغ ووجه غائب. وخلف كل سيارة إسعاف لا تصل إلى وجهتها حكاية إنسان كان ينتظر النجاة، وخلف كل منزل يُقصف عائلةٌ كانت تبحث عن أبسط حقوقها في أن تعيش بأمان.

تلك هي الكلفة التي لا تظهر كاملةً في البيانات العسكرية، ولا تستطيع الأرقام وحدها أن تختصرها.

إن أخطر ما خلّفته سنوات العنف هو اتساع دائرة الخوف التي تحاصر حياة اليمنيين، وتراجع قدرتهم على الشعور بالأمان، وتحول مستقبل أبنائهم إلى سؤال مفتوح على الاحتمالات القاسية.

والأخطر أن يصبح الحزن جزءاً من الحياة اليومية، وأن يتعايش الناس مع أخبار الموت كما لو أنها قدرٌ لا يمكن تغييره. فاعتياد الفاجعة لا يجعلها أقل قسوة، والصمت أمام تكرارها لا يعفي المسؤولين عنها من المساءلة.

وما يزيد الوجع قسوةً أن اليمنيين، الذين أنهكتهم سنوات الفقر والتشرد وانقطاع الخدمات، يجدون أنفسهم مضطرين إلى مواجهة آثار العنف إلى جانب أعباء الحياة اليومية. أسرٌ تجمع ما تبقى من قوتها لعلاج جريح، وأخرى تبحث عن مأوى بعد أن فقدت منزلها، وثالثة تحاول أن تواصل الحياة فيما يترك غياب أحد أفرادها فراغاً لا يسدّه شيء.

اليمنيون اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الصواريخ التي تحصد أبناءهم، ولا إلى شعارات تُرفع بينما تتسع قوائم الضحايا؛ إنهم بحاجة إلى دولة تحميهم، وأمنٍ يصون حياتهم، وعدالةٍ تنصف الضحايا وتحاسب المسؤولين عن الانتهاكات.

اليمن ليس وطناً خُلق للعزاء، ولا شعباً كُتب عليه أن يودّع أبناءه جيلاً بعد جيل. سيأتي يومٌ يتوقف فيه الحزن عن طرق أبواب اليمنيين، وتُطوى فيه خيام العزاء، وتعود البيوت إلى أصوات أصحابها، وتستعيد الأمهات فرح الانتظار بدلاً من رعبه. لكن ذلك اليوم لن تصنعه الأمنيات وحدها؛ بل تصنعه إرادة استعادة الدولة، وحماية الإنسان، وإعلاء قيمة الحياة فوق كل مشروعٍ يتغذى على الدماء.

فاليمن ليس خيمة عزاء، وإن أثقلته المآسي، وليس مقبرةً لأحلام أبنائه، وإن طال ليل الفقد. إنه وطنٌ يستحق الحياة، وشعبٌ يستحق أن يفرح بعودة أبنائه إلى بيوتهم، لا أن ينتظرهم في مواكب الوداع.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد