38 C
الجمهورية اليمنية
10:36 صباحًا - 29 يونيو, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

قوة المضيق النووى!

عزالدين سعيد الأصبحى:*

**ليست كل الأسلحة تُخصَّب فى المفاعلات، فبعضها يولد فى الجغرافيا. والعالم اليوم يعيش جدلا لا يقل خطورة

عن سباق التسلح النووى، لكنه هذه المرة يدور حول الممرات المائية.

ولاتزال ارتدادات الزلزال الذى أثاره مضيق هرمز تتوالى، حتى بات السؤال الحقيقى: أيهما أخطر فى ميزان القوة، قنبلة نووية أم مضيق تتحكم به دولة واحدة؟.

إذا نجحت إيران فى انتزاع اعتراف إقليمى ودولى بسيطرة إدارية فعلية على مضيق هرمز، فإنها تكون قد حققت مكسبا استراتيجيا قد يفوق، فى أثره السياسى والاقتصادى، امتلاك السلاح النووى نفسه.

فالمفاعل يمكن تعطيله، أما المضيق فلا يمكن نقله من مكانه.

 ربما تؤجل طهران ملف التخصيب، أو تقدم فيه تنازلات محسوبة، لكنها لن تفرط بما هو أثمن:

 الأموال المجمدة،

ونقطة التحكم فى أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمى «هرمز».

هنا تبدو المفارقة لافتة. فما قد تراه واشنطن انتصارا دبلوماسيا بوقف التخصيب النووى، قد يتحول إلى انتصار إيرانى أكثر عمقاً إذا اقترن بالإفراج عن الأموال وغض الطرف عن تكريس النفوذ فى هرمز.

 عندها لن تكون إيران قد خرجت فقط من حافة الانهيار الاقتصادى، بل ستدخل مرحلة جديدة من القوة الهادئة، القوة التى لا تحتاج إلى إطلاق صاروخ، بل إلى التحكم فى طريقه.

انشغلت الولايات المتحدة بالملف النووى لأنه الأكثر حضورا فى السياسة الداخلية الأمريكية، لأن عينها فى هذا الوقت على الداخل الأمريكى، بينما بقى الملعب الإقليمى خارج الحسابات الدقيقة. ولم يكن مستغربا أن تُدار التفاهمات بعيدا عن أصحاب الجغرافيا أنفسهم، وكأن أمن المنطقة يمكن أن يُرسم من وراء البحار. بل وان توقع مذكرة التفاهم عن بعد!.

 ولهذا بدت أى تفاهمات مجرد صفارة حكم أوقفت المباراة قبل نهايتها، لا إعلانا للفوز. فالوقت المستقطع ليس سلاما، وإنما هدنة تنتظر الجولة التالية.

المعادلة التى قد يغفل عنها كثيرون أن الهيمنة المطلقة على هرمز تعنى، عمليا، منح شرطى جديد مفاتيح التجارة والطاقة فى الإقليم.

 ولن يصبح الأمر مجرد وسيلة للضغط أو الابتزاز، بل يصبح انتقالا تدريجيا إلى هيمنة طويلة المدى على صادرات المنطقة وأسواق العالم.

 ولو خُيّر صانع القرار بين استمرار برنامج نووى مكلف ومحاصر، وبين نفوذ دائم على مضيق هرمز، فقد لا يكون الاختيار صعبا. فالمضيق يمنح نفوذا يوميا، بينما يمنح السلاح النووى ردعا افتراضيا قد لا يستخدم أبدا.

 ولعل السخرية المرة هنا تعيد صياغة المثل الشهير: لا تعطنى سمكة كل يوم، ولا تعلمنى كيف أصطاد… بل سلمنى هرمز.

لكن القضية لا تقف عند حدود الخليج. فما يحدث يفتح الباب أمام مراجعة واسعة لمفهوم السيطرة على المضايق والممرات البحرية.

واليمن، بما يمتلكه من موقع فريد على بحر العرب وخليج عدن وباب المندب، سيعود حتما إلى قلب المعادلة الجيوسياسية.

فالجغرافيا التى أُهملت سنوات، قد تصبح غدا مفتاحا لإعادة رسم خرائط النفوذ. ولذلك فإن أمن الممرات البحرية لا يمكن أن يبقى رهينة تفاهمات ثنائية تتجاوز دول الإقليم.

 فالأمن الإقليمى مسئولية أهل المنطقة أولا، أما المجتمع الدولى فدوره أن يساند الاستقرار، لا أن ينتج ترتيبات مؤقتة تؤجل الأزمات وتؤسس لصراعات جديدة.

لقد قال العرب قديما: أهل مكة أدرى بشعابها. واليوم يمكن القول إن أهل هذا الشرق،

 المنسى حين تُوزع المغانم، والحاضر دائما حين تُوزع المغارم،

 هم الأدرى بتوازناته وتعقيداته.

 وأى تفاهم لا يجعل العدالة، وفى مقدمتها العدالة لفلسطين، أساسا للاستقرار، سيظل معلقا فى سماء القلق، ينتظر أول شرارة ليعود دخان الحرب إلى الأفق.

أما إذا كانت التفاهمات تُصاغ لإرضاء الداخل الأمريكى أكثر مما تُبنى على حقائق المنطقة، فإنها لن تكون سوى استراحة قصيرة فى حرب طويلة.

 وعندما تنتهى حسابات الانتخابات، ستعود الأسئلة القديمة، وسيعود الخوف،

وستعود المضايق… إلى ضيقها.

* سفير بلادنا لدى المملكة المغربية الشقيقة

**نقلا عن جريدة الاهرام المصرية

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد