38 C
الجمهورية اليمنية
10:35 صباحًا - 29 يونيو, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

بين الدولة والقبيلة.. من يخدم انحدار اليمن إلى ما قبل الدولة

بشرى العامري:

 المتابع لما يجري في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي يدرك أن مأزق اليمن لم يعد اقتصاديا أو سياسيا فحسب، بل أصبح مأزقا يمس بنية المجتمع ذاته وقيمه الجامعة.

صحيح أن الانهيار الاقتصادي والجوع باتا واقعا يومياً يعيشه ملايين اليمنيين، إلا أن هناك تراجعا آخر لا يحظى بالقدر نفسه من النقاش، يتمثل في إعادة إنتاج المجتمع على أسس ما قبل الدولة، وإحياء أنماط من التصنيف الطبقي والعصبيات المناطقية والمذهبية التي ظن اليمنيون أنهم تجاوزوا جزءا كبيرا منها.

خلال الأشهر الماضية برزت إلى الواجهة قضايا تعكس هذا الانحدار، ومنها الجدل الذي شهدته محافظة ذمار حول ما عُرف بقضية “الدوشان”، حيث انخرط بعض المثقفين والإعلاميين في الدفاع عن تقسيمات اجتماعية تقليدية، وتقديمها بوصفها جزءا من الأصالة والتراث، رغم ما تحمله من نزعة تمييزية تتعارض مع مفهوم المواطنة المتساوية. واليوم يتكرر المشهد بصورة أكثر اتساعا مع حملات التعبئة حول قطع الطرق، والنكف القبلي، والحشود التي تُستدعى خارج إطار القانون، بما يعيد الاعتبار لمنطق الثأر والغلبة، ويضعف فكرة الاحتكام إلى مؤسسات الدولة والقضاء. ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن غياب الدولة ومؤسساتها، وتراجع المشروع الوطني الجامع.

غير أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذا الخطاب، الذي يمجد القبيلة والأعراف على حساب الدولة، يصب – بقصد أو من دون قصد – في خدمة مشروع الحوثي.

فكلما تراجعت فكرة الدولة الحديثة، واتسعت مساحة الولاءات الضيقة، بدا المشروع الحوثي، رغم طابعه الطائفي والعنصري، وكأنه الطرف الأكثر تنظيما وقدرة على فرض سلطته. وهكذا تتحول الدعوات إلى تمجيد الشيخ والقبيلة والمذهب، ورفض الدولة المدنية والشرعية والمؤسسات، إلى بيئة مثالية يستفيد منها الحوثي أكثر مما يتضرر.

إن أكثر ما يربك مشروع الميليشيا ليس تعدد المشاريع القبلية أو المناطقية، بل وجود مشروع وطني يستند إلى استعادة الدولة اليمنية الحديثة، وبناء دولة اتحادية تقوم على سيادة القانون، وإلغاء الهيمنة المركزية ، وتعزيز المواطنة المتساوية، واحترام التعددية، والقبول بالآخر. ومن هنا فإن مسؤولية النخب، سواء داخل مناطق سيطرة الحوثي أو خارجها، لا تقتصر على معارضة الميليشيا سياسيا فقط ، بل تمتد إلى مقاومة كل خطاب يعيد اليمن إلى ما قبل الدولة.

فمغادرة الجغرافيا لا تكفي إذا بقي التفكير أسير العصبية القبلية أو المذهبية، كما أن مقاومة الحوثي لا تكتمل إذا كانت أدواتها تعيد إنتاج البيئة التي يتغذى عليها. وفي ضرب كثير من هؤلاء لمشروع الشرعية ومؤسساتها بحجة الإصلاح مثلا ،بينما يسكتون عن كل عنصرية الحوثي ويمجدون كل خطوة تعلن ضد الدولة ،وتحيي فكرة ما قبل الدول . اليمن اليوم بحاجة إلى استعادة الدولة، لا استعادة صراعات ما قبلها، وبحاجة إلى ترسيخ مفهوم المواطنة، لا تكريس الامتيازات الاجتماعية، وإلى مشروع وطني جامع يتسع لجميع أبنائه، لا إلى مزيد من الانقسام الذي لا يحصد ثماره سوى مشاريع الاستبداد.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد