بشرى العامري:
يُعد الشاعر اليمني أحمد غالب الجابري او كما يطلق عليه طائر الاشجان واحدا من أبرز الأصوات الشعرية التي أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية اليمنية الحديثة، جامعا بين أصالة اللغة الفصحى وعذوبة التعبير العامي، في تجربة إبداعية امتدت لعقود.
وُلد الجابري عام 1936م، وعاش بحكم اسرته بين تعز وعدن،وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس مدينة عدن، التي كانت آنذاك مركزا ثقافيا نابضا. وفي عام 1953م، التحق بكلية التجارة في جامعة القاهرة، حيث تخرج عام 1966م، حاملاً معه رصيدا معرفيا انعكس بوضوح على تجربته الشعرية.
تميّز الجابري بموهبة شعرية لافتة، حيث كتب بالفصحى بأسلوب جزيل محكم، يعكس سعة اطلاعه على الأدب العربي، وقدرته على اختيار الألفاظ بعناية ودقة. وفي المقابل، جاءت قصائده العامية رقيقة، بسيطة، وقريبة من وجدان الناس، ما جعله واحدا من أبرز شعراء الأغنية اليمنية.
وقد ارتبط اسمه بعدد من كبار الفنانين، من أبرزهم الموسيقار أحمد قاسم، الذي قدّم معه أعمالا خالدة مثل: “يا مركب البندر”، و”الميه والرملة”، و”شبكني الحب بسنارة”. كما تعاون مع الفنان محمد مرشد ناجي في عدد من الأعمال التي تركت أثرا واسعا في الذاكرة الغنائية.
ولم تقتصر تجربته على هؤلاء، بل امتدت لتشمل فنانين آخرين مثل محمد عبده الذي غنى له “ما تفتكرنيش” و”غصب عني”، والفنان أيوب طارش في أغنية “خذني معك”، إضافة إلى محمد سعد عبدالله الذي قدّم أغنية “جوال”.
إلى جانب عطائه الغنائي، ترك الجابري ديوانا شعريا بعنوان “كرم على درب”، يُجسد ملامح تجربته الشعرية ويعكس رؤيته الفنية.
لقد شكّل أحمد غالب الجابري حالة شعرية خاصة، استطاعت أن تمزج بين الثقافة والوجدان، وأن تضع بصمة واضحة في مسيرة الأغنية اليمنية، بما حملته من صدق التعبير وجمال الكلمة.
توفي رحمه الله في يناير ٢٠٢٤ تاركا خلفه ارثا غنائيا لايتكرر لتنطفيء برحيله انطفأت قناديل الاغنية اليمنية، لكن شعره سيبقى حيّا في الذاكرة، يتردّد مع كل لحنٍ أصيل، شاهداً على زمنٍ جميلٍ لن يتكرر، وإرثٍ فنيٍّ سيظلّ يُضيء دروب الأغنية اليمنية جيلاً بعد جيل.


