شادية الغامدي:
في خضم الثورة الرقمية العارمة التي تجتاح وجودنا المعاصر، بات الحضور المستمر على منصات التواصل الافتراضي أشبه بفضيلة اجتماعية مُعلنة، بل معيارًا ضمنيًا للقبول والفاعلية. فكلما تعاظم تفاعل الفرد وتسارعت استجابته للرسائل والمكالمات، تزايدت مكانته في المنظومة الاجتماعية الرقمية. وعلى النقيض من ذلك، أصبح الغياب، حتى لو كان مؤقتًا، يثير تساؤلات وشكوكًا تتجاوز حجمه الحقيقي، وتُلقي بظلالها على مفهوم “الوجود” ذاته.
لم تكن هذه الظاهرة وليدة العلاقات الإنسانية المجردة، بل ساهمت التقنية في ترسيخها بشكل غير مسبوق؛ فمع إتاحة الوصول إلى الآخرين في كل لحظة، تحول التواجد الدائم من خيار شخصي إلى توقع اجتماعي ملزم، يكاد يرقى إلى مستوى الواجب. ولم يعد السؤال المحوري: “هل يمكنني الوصول إليك؟”، بل أصبح أكثر إلحاحًا: “لماذا لم ترد بعد؟”، وكأن التأخر في الاستجابة يُعد خرقًا لبروتوكول اجتماعي غير مكتوب.
والمفارقة الفلسفية تكمن في أن الإنسان المعاصر، رغم وفرة وسائل الاتصال التي وعدت بتقريب المسافات، يعاني من ندرة متزايدة في المساحات الخاصة واللحظات الأصيلة مع الذات. فكل تأخر في الرد يستدعي تبريرًا، وكل انسحاب مؤقت يتطلب تفسيرًا، بينما قد يكون الصمت في جوهره مجرد حاجة إنسانية فطرية للهدوء، واستعادة التوازن الذهني، والعودة إلى منابع الإلهام الباطنية.
لقد آن الأوان لنتحدث عن حق لا يقل أهمية عن حقوقنا الأساسية: “حق الإنسان في أن يختفي أحيانًا”. أن يغلق هاتفه لساعات، أو يبتعد عن المنصات لأيام، دون أن يتحول ذلك إلى قضية اجتماعية تستدعي المحاسبة أو اختبارًا لمتانة العلاقات. فالإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف، ولا هو منصة خدمة متاحة على مدار الساعة؛ بل إن العديد من الأفكار العظيمة والقرارات المصيرية تولد في لحظات الابتعاد عن الضجيج، لا في قلبه المزدحم.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في التواصل بحد ذاته، بل في تحويله إلى التزام دائم ومراقبة مستمرة تُفرغ الوجود من معناه العميق. فالعلاقات الصحية تُبنى على التفهم والثقة، لا على فرض الحضور القسري. والاحترام الحقيقي للآخرين يتجلى في تقدير حاجتهم المشروعة للغياب، إدراكًا بأن الغياب قد يكون شكلاً آخر من أشكال الحضور الأصيل.
ختامًا، الشخص الأقرب إلينا ليس بالضرورة من يرد فورًا، بل هو من يبقى حاضرًا في وجداننا حتى عندما يغيب ليجدد روحه. إن بعض الغياب ليس هروبًا، بل هو عودة ضرورية للذات لتعزيز القدرة على العطاء. فلنمنح أنفسنا والآخرين هذا الحق الثمين؛ لنستعيد في العزلة المؤقتة قوة جديدة تعيد للحضور معناه، وتُعيد للإنسان إنسانيته في زمن السيولة الرقمية
*نقلا عن جريدة الرياض السعودية


