بشرى العامري:
ما إن يُستدعى الحديث عن الشعر وحركة الأدب المعاصر في اليمن، حتى يتقدّم اسم عبدالعزيز المقالح بوصفه علامة فارقة، لا في مسار القصيدة اليمنية فحسب، بل في تشكيل الوعي الثقافي العربي الحديث.
لم يكن المقالح مجرد شاعر مجيد، بل كان مشروعا ثقافيا متكاملا، استطاع أن يمنح الأدب اليمني ملامحه الجديدة، وأن يفتح له نوافذ واسعة على العالم.
منذ بواكيره الأولى، بدا المقالح شاعرا يحمل همّ التجديد، دون أن يقطع صلته بجذور التراث.
كتب القصيدة وهو في الرابعة عشرة، لكن صوته الحقيقي تبلور لاحقا حين مزج بين حساسية التجربة اليمنية وقلق الإنسان العربي في زمن التحولات، فكانت قصائده جسورا بين الكلاسيكية والحداثة، وبين المحلي والإنساني الرحب، حتى استحق لقب “رائد القصيدة اليمنية المعاصرة”.
لم تتوقف إسهاماته عند حدود الشعر، بل امتدت إلى النقد والدراسة والتاريخ الثقافي، حيث قدّم عشرات المؤلفات التي أرّخت للأدب اليمني وواكبت تحوّلاته.
كما لعب دورا محوريا في احتضان الأجيال الجديدة، فكان الأب الرمزي لكثير من الشعراء والكتّاب الذين وجدوا في دعمه وتوجيهه نافذة للانطلاق.
وفي المجال الأكاديمي، شكّل حضوره علامة مضيئة، إذ تولّى رئاسة جامعة صنعاء، وأسهم في ترسيخ دورها العلمي والثقافي، كما قاد مركز الدراسات والبحوث اليمني ليكون منبرا رائدا للبحث والمعرفة.
ولم يكن ذلك بعيدا عن رؤيته التي تؤمن بأن الثقافة هي الركيزة الأولى لبناء الإنسان والمجتمع.
ولد المقالح عام 1937 في منطقة الشعر بمحافظة إب، وواصل رحلته العلمية حتى نال الدكتوراه من جامعة عين شمس، ليعود بعدها حاملا مشروعا معرفيا متكاملا، جمع فيه بين الأكاديمية والإبداع.
كما تولّى رئاسة المجمع العلمي اللغوي اليمني، مؤكدا حضوره كأحد أبرز حماة اللغة العربية في اليمن.
ترك المقالح إرثا شعريا غنيا، من “لا بد من صنعاء”
والكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل،
والخروج من دوائر الساعة السليمانيّة،
الى
أوراق الجسد العائد من الموت،
و إلى “أبجدية الروح” و“كتاب المدن”، وغيرها من الأعمال التي شكّلت ذاكرة شعرية لليمن الحديث.
كما خلّدت بعض قصائده في الوجدان الغنائي، ومنها “إن يحرمونا يا حبيب الغرام” التي تغنّى بها أحمد فتحي.
“مقطع غنائي”
هكذا، ظلّ عبدالعزيز المقالح أكثر من شاعر، كان ضميرا ثقافيا، ومرآةً لليمن في أحلامه وانكساراته، وواحدا من الأصوات العربية التي أعادت للقصيدة دورها في التعبير عن الإنسان وقضاياه.
وبرحيله، في ٢٨ من نوفمبر عام ٢٠٢٢، لم تغب كلماته، بل بقيت شاهدة على زمنٍ صنعه بالحرف، وخلّده بالإبداع.
فصوته ما زال يتردد في تفاصيل اللغة، وفي ذاكرة القصيدة التي لا تموت، حارسا لجمالها، ومؤنسا لوحدتها.


