بشرى العامري :
ليس «فجر اليمن» اسم لعملية عسكرية فحسب، بل هي، في معناها الأوسع، مسار واضح لاستعادة مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة ظل فيها تمرد ميليشيا الحوثي الارهابية يدفع البلاد نحو الدمار والتشظي، ويحوّل مؤسساتها إلى رهينة لقوة مسلحة منفلتة من سلطة القانون.
حين أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إطلاق العملية لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء تمرد الميليشيات الحوثية، كان يضع عنواناً مختلفاً للمعركة.. الدولة في مواجهة التمرد، والمؤسسات في مواجهة السلاح المنفلت، والقرار الوطني في مواجهة الاختطاف.
فالقضية هنا ليست مجرد صراع على مدينة أو جبل أو طريق. جوهر المسألة أن ميليشيا مسلحة تمردت على الدولة، ثم أقامت واقعاً موازياً لها، وأبقت أجزاء واسعة من البلاد لسنوات تحت قبضتها الإرهابية.
ولذلك فإن استعادة الأرض هي الطريق الحقيقي الوحيد نحو عودة سلطة القانون إلى كل شبر من الأراضي اليمنية،
وتتجلى قوة العزيمة اليمنية في المواجهات البطولية التي تخوضها القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية المساندة لها، وهي تتقدم بإرادة أكثر تماسكاً نحو استعادة الأرض وإنهاء التمرد.
والأهم أن هذه المعركة تكشف عن تحول جوهري نحو توحيد القرار والإرادة الوطنية حول هدف استعادة الدولة وفرض هيبتها.
ومن الساحل الغربي تبدو أهمية المعركة أكثر وضوحاً. فاستعادة باب المندب والمخا وبعدها الخوخة وحيس والحديدة
لا تتعلق بالجغرافيا اليمنية وحدها، فباب المندب هو أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، وأمنه يرتبط مباشرة بأمن الملاحة والتجارة الدولية.
وهنا تتجاوز «فجر اليمن» حدود الحرب الداخلية التي افتعلها الحوثي.
ونجاح الدولة في تأمين ساحلها ومضيقها البحري يعني حماية شريان حيوي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة دائمة لتهديد الاقليم والملاحة الدولية.
فجر اليمن.. ليست معركة على خطوط تماس بقدر ما هي معركة على معنى الدولة نفسها. فتمرد الميليشيات الحوثية لم يضرب مؤسسات الدولة وحدها، بل عمّق التشظي المجتمعي، وبث خطاب الكراهية، وفتح البلاد على سنوات من الانقسام.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ حيث تنتهي المعارك، لتعود الدولة دولة حقيقية بمؤسساتها ودستورها الفاعل، ويصبح السلاح في يد جيشها الوطني، والقرار في مؤسساتها، والأرض تحت سيادتها، وأن يستعيد اليمنيون إرادتهم الموحدة في بناء وطن لا تحكمه ميليشيا منفلتة، ولا يُختطف قراره بقوة السلاح والهيمنة.
ذلك هو فجر اليمن الرامي نحو استعادة الدولة، واستعادة القرار، واستعادة الأرض.


