موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

أفراح الزوبة نموذجاً..
حين تصبح البذاءة نفوذاً.. من يحمي النساء من حملات التشهير؟

بشرى العامري:

تابعتُ خلال الفترة الماضية، كما تابع كثيرون، ما يمكن وصفه بحملة ظالمة وغير منطقية ولا أخلاقية استهدفت الدكتورة أفراح الزوبة منذ تعيينها وزيرة للخارجية. ولا أريد أن أجزم بأنها حملة منظمة أو ممنهجة، لكن المؤكد أنها تجاوزت حدود النقد المشروع، وانزلقت في كثير من جوانبها إلى التنمّر والإساءة الشخصية، بما يكشف عن أزمة أعمق في ثقافة الاختلاف والتعاطي مع المرأة في مواقع المسؤولية وصنع القرار.

ويبدو أن بعضنا لم يغادر بعد أسر العقلية الذكورية التي ترى في وصول امرأة إلى موقع قيادي أمراً يستدعي التشكيك والمحاسبة المسبقة، لا التقييم الموضوعي. فأفراح الزوبة واجهت خطاباً عدائياً منذ اللحظة الأولى لتعيينها، لا لأنها قدمت أداءً يمكن الحكم عليه، بل لأنها امرأة يمنية تتولى للمرة الأولى منصب وزيرة الخارجية، وهو أحد أرفع مواقع المسؤولية في الدولة.

والأكثر إيلاماً أن فضاء التواصل الاجتماعي تحول لدى البعض من مساحة للنقاش وتبادل الرأي إلى ساحة مفتوحة للتشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصيات. وطفحت شاشاته بأصوات صنعت لنفسها حضوراً من خلال البذاءة والتجريح، حتى توهم أصحابها أنهم مؤثرون في الرأي العام، وأن بإمكانهم التأثير في القرار السياسي والإداري، مستفيدين أحياناً من صراعات شخصية وحسابات ضيقة توظف هذه الأصوات للإساءة إلى هذا الطرف أو ذاك.

والمؤسف أن بعض أصحاب القرار منحوا هذه الفقاعات حجماً ودعما لا تستحقه، فيما جرى تهميش الأقلام الجادة وأصحاب الرأي المهني.

وهكذا أصبح طول اللسان في كثير من الأحيان معياراً للحضور، والبذاءة وسيلة للفت الانتباه، ومنح اصحابها بعض الامتيازات، وكأن القرار العام ينبغي أن يرضخ لضجيج منصات التواصل لا لمعايير الكفاءة والمسؤولية.

لقد تجاوز استهداف الوزيرة أفراح الزوبة حدود مناقشة أدائها العام، ووصل إلى حياتها الشخصية وخصوصياتها، ونشر الشائعات عنها، وهي مساحة لا يملك أحد حق اقتحامها أو تحويلها إلى مادة للتشهير والتنمر. فالمسؤولية العامة لا تلغي الكرامة الإنسانية، والمنصب الوزاري لا يجعل صاحبه مباحاً للانتهاك والإساءة.

من حق الجميع أن ينتقد أداء الوزيرة، وأن يسأل عن خططها وقراراتها ونتائج عملها، لكن من حقها أيضاً أن تُمنح فرصة حقيقية للعمل، وأن تُقيّم وفق معايير مهنية ووطنية واضحة، وفي ظل ظروف وإمكانات تساعدها على أداء مسؤولياتها.

أما إصدار الأحكام قبل أن تبدأ التجربة، أو استهداف المرأة لمجرد أنها امرأة، فليس نقداً ولا حرصاً على المصلحة العامة.

نحن اليوم بحاجة إلى موقف واضح من الإعلاميين وأصحاب الأقلام، ومن كل من يؤمن بأن الكلمة مسؤولية، للتصدي لهذا الانحدار الغير أخلاقي، وإعادة الاعتبار للنقد الرصين والبنّاء، ووضع حد لتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للابتزاز والتشهير. كما أن على الحكومة والجهات المختصة التعامل مع التجاوزات التي تشكل جرائم قانونية وفق الإجراءات القانونية، بصرف النظر عن مكان وجود مرتكبيها، مع احترام ضمانات القانون وحرية التعبير والنقد المشروع.

ويكفي هؤلاء أن تقلب الطاولة ضدهم، عبر إحالة مرتكبي جرائم التشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية في مواقع التواصل الاجتماعي إلى القضاء، وملاحقتهم وفقاً للقانون، وإدراج من تثبت إدانتهم في قوائم المطلوبين للعدالة، إلى جانب وضعهم في قوائم العار المجتمعي، واعتبار هذه الممارسات من قبيل العيب الأسود الذي يرفضه المجتمع وينبذ مرتكبيه. فمثل هذه السلوكيات لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للشهرة أو النفوذ أو ابتزاز الآخرين، بل يجب أن تترتب عليها مساءلة قانونية وموقف مجتمعي حازم، يجعل من ارتكابها وصمة عار أخلاقية تلاحق أصحابها بدلاً من أن تكون طريقاً لتحقيق مكاسب أو فرض حضور.

وأقول لأصحاب القرار: لا تجعلوا ضجيج المنصات بديلاً عن قراءة الواقع، ولا تسمحوا لأصحاب الابتزاز أن يصبحوا شركاء في صناعة القرار أو توجيهه. فالدولة التي تستجيب للضجيج أكثر مما تستجيب للمؤسسات والمعايير تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، وتضعف قيمة العمل العام.

وأقول للدكتورة أفراح الزوبة: لا تلتفتي إلى حملات التنمر، ولا تجعليها تصرفك عن مسؤوليتك. واصلي عملك، ودعي إنجازك يتحدث عنك، لكن لا تتركي الإساءة تمر وكأنها أمر عادي، فالكرامة الشخصية ليست موضع مساومة، ومواجهة التشهير مسؤولية قانونية ومجتمعية.

إن نجاح امرأة يمنية في موقع قيادي ليس شأناً شخصياً يخصها وحدها، بل هو جزء من حق المرأة اليمنية في الحضور والمشاركة وتولي المسؤولية. ونجاحها، مثل نجاح أي مسؤول، ينبغي أن يكون ثمرة عمل وجهد ومحاسبة عادلة، لا رهينة لعقلية ذكورية أو حملات ابتزاز.

**نجاح أفراح الزوبة ليس نجاحاً لامرأة وحدها، بل اختبار لقدرتنا جميعاً على تجاوز الأحكام المسبقة، والانتصار لقيمة الإنسان، واحترام الكفاءة، وصون حق المرأة اليمنية في أن تكون شريكاً كاملاً في صناعة مستقبل وطنها.**

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد