بشرى العامري:
في ذاكرة أمثالنا الشعبية، تختبئ حكايات طويلة عن الوفاء والشجاعة، وتختصر كلمات قليلة مواقف تكشف معادن الناس، وتفرّق بين من يحضر وقت الشدة، ومن لا يتذكر الآخرين إلا حين تزول الأخطار وتعود الحياة إلى هدوئها. ومن هذه الأمثال : «ذي ما يجينا والبلاد مخافة، لا مرحباً به والبلاد عوافي».
وهو مثلٌ يحمل عتاباً بحجم الخذلان، ويعبّر عن حكمة الأجداد في التمييز بين المواقف الصادقة والمصالح العابرة. فـ«مخافة» تعني وقت الخوف والخطر، حين تشتد المحن ويحتاج الناس إلى من يساندهم، أما «العوافي» فهي أوقات الأمن والسلامة، حين تهدأ المخاطر وتصبح المشاركة أقل كلفة.
وبين المخافة والعوافي، يرسم المثل فاصلاً واضحاً بين من يقف إلى جوار الناس حين يكون الوقوف واجباً، ومن يتوارى حين تشتد المحنة، ثم يعود عندما تصبح الطريق آمنة والمكاسب أقرب إلى المنال.
ولا يعني المثل إدانة كل من غاب، فلكل إنسان ظروفه وأعذاره، لكنه يرفض الانتهازية، ويستنكر أن يتخلى المرء عن واجبه ساعة الخطر، ثم يعود بعد انقشاعه مطالباً بمكانة لم يكتسبها بالتضحية أو الموقف الحقيقي الشجاع.
وما أشد حضور هذه الحكمة في واقعنا اليوم! ففي أوقات الأزمات، حين تواجه الأوطان المخاطر ويكابد الناس الفقر والنزوح وفقدان الأمان، تنكشف حقيقة المواقف، وتسقط الأقنعة. فهناك من يتحمل مع الناس أعباء الشدائد، ويقف إلى جوارهم حين يكون الوقوف مكلفاً، وهناك من يختار الابتعاد والصمت والحياد، ثم يعود بعد انحسار الخطر ليتصدر المشهد، ويتحدث باسم التضحيات، ويطالب بنصيبه من المكاسب.
لتظل هذه الحكمة معياراً أخلاقياً للمواقف، ورسالة إلى كل فرد بأن المسؤولية لا تُقاس بكثرة التصريحات بعد الأزمات، بل بما يُقدَّم حين يكون الناس في أمسّ الحاجة إلى السند، وبالقدرة على تغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
فالأوطان لا تُبنى بمن يظهرون عند اقتسام المكاسب، بل بمن يشاركون في تحمل الأعباء، ويثبتون حين تكون التضحيات ضرورة لا خياراً.
«ذي ما يجينا والبلاد مخافة، لا مرحباً به والبلاد عوافي»؛ حكمة تختصرها الأيام وتؤكدها التجارب: في الشدة تُعرف الوجوه، وفي المحن تُختبر المبادئ، وعندما تعود العافية لا ينبغي أن تُمحى من الذاكرة مواقف أيام الخوف؛ لأن الوفاء الحقيقي ليس أن تأتي بعد أن يعبر الآخرون النهر، بل أن تكون معهم حين تشتد المياه ويصبح العبور محفوفاً بالمخاطر.


