*عزالدين سعيد الأصبحى:
**عاد اسم مضيق باب المندب إلى واجهة الأخبار، مع تصاعد العنف والتلويح بمعارك قادمة. وبيانات ميليشيات الحوثى فى تنفيذ عمليات عسكرية . وكأن قدر اليمن، وبابه المشرع على الألم، آلا يتذكره العالم إلا عند الفجيعة. وباب المندب، الذى يعنى اسمه، حسب الروايات، «بوابة الأحزان»، يبدو أن نصيبه من الأحزان لم ينتهِ بعد. فهذا الممر البحرى لم يكتفِ بتياراته القوية ورياحه المتقلبة، بل عرف أيضا القرصنة والصراعات، وكأن الجغرافيا قررت أن تضيف إلى مشقة العبور مشقة السياسة.
بين عامى 2008 و2012، كان القراصنة الصوماليون يختطفون السفن وطواقمها طلبا للفدية، قبل أن يتدخل المجتمع الدولى، فى مشهد نادر من التفاهم، لحماية الملاحة وتأمين هذا الطريق الحيوى. لكن يبدو أن البحر، مثل السياسة، يحب ألا يترك شيئا مستقرا طويلا. فإذا أُغلق باب المندب، بينما يبقى مضيق هرمز فى دائرة التوتر، فلن تكون لدينا أزمة ممرات بحرية فحسب، بل أزمة عالمية تبحث عن فاتورة جديدة يدفعها الجميع.
لقد كفى مضيق هرمز وحده لرفع أسعار النفط من نحو 70 دولارا للبرميل إلى أكثر من 115 دولارا، فكيف إذا قررت الجغرافيا أن تضع باب المندب أيضا فى قائمة الأبواب المغلقة؟
عندها لن تتأخر الأسواق فى فهم الرسالة؛ سترتفع كلفة الطاقة والشحن، وستصل الموجة إلى كل شىء تقريبا، من السلع الاستهلاكية إلى المنتجات الزراعية. فحين تضيق الممرات البحرية، لا تتعطل السفن وحدها؛ بل تتعطل معها حسابات الاقتصاد، وتبدأ الأسعار فى الإبحار بلا بوصلة. وهكذا قد يكتشف العالم أن إغلاق مضيق واحد لا يعنى إغلاق طريق بحرى فقط، بل فتح أبوابا كثيرة للأزمة… وربما كان باب المندب، هذه المرة، بوابة الأحزان الاقتصادية أيضا. فهل ستنجح طهران بالدفع بالحوثيين الى هاوية مواجهة العالم ؟ .ذاك سؤال اللحظة. مع توعد امريكى ودولى واضح انه لن يسمح بالعبث فى شريان ملاحة دولية مهم.
فباب المندب ليس مجرد مضيق ضيق فى خريطة واسعة؛ إنه أحد تلك الأماكن التى تبدو صغيرة على الورق، لكنها قادرة على تحريك العالم كله. يبلغ طوله نحو 115 كيلومترا، وعرضه 36 كيلومترًا، ومنذ افتتاح قناة السويس عام 1869، تحوّل إلى حلقة أساسية فى أقصر طريق بحرى يصل أوروبا بآسيا.
تمر عبر البحر الأحمر قرابة ربع حركة الملاحة البحرية العالمية، وكأن العالم كله اتفق، من دون أن يعقد مؤتمرا، على أن يضع جزءا كبيرا من تجارته فى عنق زجاجة جغرافية واحدة.
ونقاش الممرات المائية بحاجة إلى تعمق أكثر، خاصة وان العالم يضع البدائل الأخرى عن البحر قيد التنفيذ السريع. أما النفط، فله حكاية أخرى. فإذا كان مضيق هرمز، الذى دخل الحرب وأُغلق، تمر عبره نحو 20 فى المائة من حركة نقل النفط العالمية، فإن إغلاق باب المندب يعنى تعطيل نحو 12 فى المائة أخرى. أى أن العالم، الذى يبحث عن مصادر جديدة للطاقة، وجد نفسه فجأة يبحث عن أبواب جديدة للممرات البحرية. ووفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبره نحو خمسة ملايين برميل من النفط يوميا، فضلا عن قرابة 8 فى المائة من شحنات الغاز الطبيعى المسال عالميًا.
وهكذا، لم يعد باب المندب مجرد بوابة بحرية؛ صار شريانا للطاقة والتجارة، وكلما ارتفعت حرارة السياسة فى المنطقة، بدأ العالم ينظر إليه بعين أكثر قلقا.
وفى الوقت الذى أعلنت فيه الولايات المتحدة استكمال ضرباتها على إيران، كانت كلفة الحرب، وفق التقديرات الأمريكية، قد بلغت نحو 37.5 مليار دولار حتى الأسبوع الماضى. كما قال الرئيس الأمريكى إنه سيجرى دفع التعويضات للسفن المتضررة من أصول حسابات إيران المجمدة.
وهكذا، تبدو المنطقة وكأنها دخلت فى حساب مصرفى غريب: صواريخ تُطلق، ومضائق تُغلق، وفواتير تتضخم، فيما يُطلب من العالم أن يصدق أن كل ذلك مجرد تفاصيل جانبية فى طريق البحث عن السلام!
لكن خلف كل هذه الأرقام، هناك حقيقة أكثر قسوة: أن باب المندب لا يمكن أن يستقر، الا بوجود يمن مستقر ، واليمن نفسه لا يمكن أن يستقر، إلا بإنهاء التمرد واستعادة مؤسسات الدولة.
لا مخرج يضمن استقرار هذه المنطقة إلا بيمن موحد ومستقر، يستعيد دولته ومؤسساته، وينهى تمرد الميليشيات الحوثية التى تغرق البلد العريق فى انهيار لا يتوقف. فاستقرار باب المندب يبدأ من استقرار اليمن، واستقرار اليمن يبدأ من عودة الدولة. وغير ذلك، ستغادر السعادةُ اليمنَ السعيد، وتبقى بوابة مضيقه مفتوحة… لا على البحر وحده، بل على أحزان العالم.
*سفير بلادنا لدى المملكة المغربية الشقيقة
**نقلا عن جريدة الاهرام المصرية


