بشرى العامري:
منذ توليه منصبه في أغسطس 2021، ظل اسم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ حاضراً في واحدة من أكثر الملفات الدولية تعقيداً وحساسية.
لكن، وبعد سنوات من مهمته، لم يعد الجدل اليمني يدور فقط حول ما أنجزه الرجل أو أخفق فيه، بل امتد إلى أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة فريقه، ومعايير اختيار مستشاريه، ومدى حضور الخبرة اليمنية والعربية في مكتبه، وصولاً إلى ما يثار بشأن بعض علاقاته الشخصية والعائلية.
ومن بين هذه التساؤلات، ما يتعلق بزوجته ألكسندرا ريدمارك، التي تشغل منصب سفيرة السويد لدى إسرائيل. ومثل هذه العلاقة، بحد ذاتها، لا يمكن أن تكون دليلاً على انحياز أو تضارب مصالح، ولا ينبغي أن تتحول إلى مادة اتهام من دون أدلة، لكنها في المقابل تطرح، في نظر منتقدين، سؤالاً مشروعاً حول مدى التزام الأمم المتحدة بأعلى درجات الشفافية في الملفات الحساسة، وآليات اتخاذ القرار، وضوابط تضارب المصالح.
كما تثار تساؤلات حول بعض أعضاء فريق المبعوث، ومن بينهم مديرة مكتبه روكسانا بازرجان، وما يُتداول عن خلفيتها وأصولها، بأنها يهودية من أصول ايرانية، مما يعيد التأكيد على ضرورة أن تكون معايير اختيار فريق مكتب المبعوث واضحة وشفافة، خصوصاً في ملف يمني شديد التعقيد والحساسية، تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والإقليمية والدولية.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بأصول هذا الموظف أو ذاك، ولا بالحياة الشخصية للمبعوث، وإنما بأداء المكتب نفسه، فماذا تحقق منذ أغسطس 2021 وحتى اليوم؟ وماذا فشل؟ ولماذا لا يزال اليمن عالقاً في دائرة الجمود السياسي؟
إن الغضب المتنامي لدى قطاعات واسعة من اليمنيين تجاه المبعوث الأممي لا يبدو وليد سوء أداء شخص أو فريق بعينه، بقدر ما هو حصيلة سنوات طويلة من الإحباط تجاه منظومة دولية كاملة، بدا أنها انشغلت بإدارة الأزمة أكثر من انشغالها بإنهائها.
جاء غروندبرغ إلى منصبه بخبرة دبلوماسية أوروبية ليست ملفته بل تعد عادية ، لكنه وجد أمامه ملفاً لا يشبه الملفات التقليدية، بلد شديد التعقيد، تتداخل فيه الانقسامات السياسية والاجتماعية والجغرافية مع المصالح الإقليمية والدولية، فيما تسيطر جماعة مسلحة على العاصمة ومؤسسات الدولة في مناطق واسعة. وهذا ما صعب الامور على الرجل .
وبعد سنوات من العمل الأممي، يبدو المشهد أكثر غموضاً من أي وقت مضى، فلا تسوية سياسية نهائية، ولا عملية سياسية تمتلك ما يكفي من الزخم لاستعادة ثقة اليمنيين، بينما يستمر الجمود، ويمنح الميليشيا مساحة لإعادة ترتيب أوراقها وترسيخ نفوذها،
وهنا تكمن المشكلة الأساسية.
فالمبعوث الأممي ليس مطلوباً منه إدارة الجمود، وإنما كسر الجمود.
والوساطة لا تعني أن يصبح الحفاظ على التوازن بين الأطراف هدفاً بحد ذاته، ولا تعني مساواة الدولة بجماعة مسلحة متمردة، كما لا ينبغي أن تتحول الرغبة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة إلى تردد في تسمية الانتهاكات أو ممارسة الضغط على من يعرقل التسوية.
والأخطر، في نظر كثير من اليمنيين، هو ما يرونه صمتاً دولياً أو ردود فعل لا تتناسب مع حجم الانتهاكات الحوثية، خصوصاً مع استمرار الاعتقالات والاختطافات التي تطال موظفين دوليين ومحليين وعاملين في المنظمات الإنسانية، ووصول الأمر إلى اتهام بعض العاملين بالتجسس، فضلاً عن احتجاز موظفين أمميين وتعريضهم لسوء المعاملة وإصدار أحكام قاسية بحق بعضهم.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأمم المتحدة عن حماية العمل الإنساني، يواصل الحوثيون تضييق الخناق على المجتمع المدني والعاملين في المجال الإنساني، الأمر الذي يضع المنظمة الدولية أمام اختبار حقيقي، يكمن في كيفية حماية موظفيها، وضمان استقلال العمل الإنساني، ومنع الجماعة المسلحة من استخدام هذا الملف لفرض مزيد من القيود والابتزاز؟
كما يثير استمرار الحركة الجوية المرتبطة بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى صنعاء أسئلة مشروعة حول كيفية تحقيق التوازن بين الاعتبارات الإنسانية الضرورية، وبين ضمان ألا تتحول التسهيلات الإنسانية إلى أدوات يمكن لطرف مسلح الاستفادة منها سياسياً أو لوجستياً.
والمشكلة هنا ليست في تقديم المساعدات أو إنقاذ المدنيين، فهذا واجب إنساني لا خلاف عليه، وإنما تكمن المشكلة في الشفافية والمساءلة عندما تعمل المنظمات الدولية في بيئة تسيطر عليها جماعة مسلحة، وتفرض فيها قيوداً على الموظفين والنشاط الإنساني، وتستفيد فيها من أي مساحة متاحة لتعزيز نفوذها.
ولهذا فإن الأمم المتحدة مطالبة بإجابات واضحة، لا بتبريرات دبلوماسية.
لكن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ليست خارج دائرة المسؤولية، فقد ساهم ضعفها السياسي والإعلامي والقانوني في ترك مساحة واسعة للآخرين كي يصوغوا رواية الأزمة، بينما اكتفت في أحيان كثيرة بالاحتجاج، بدلاً من بناء ملفات قانونية وسياسية متماسكة أمام المؤسسات الدولية، ومساءلة الأطراف الأممية عن أداء بعثاتها وموظفيها، وممارسة ضغط دبلوماسي أكثر فاعلية.
ويعود السؤال مجدداً إلى مكتب المبعوث الأممي نفسه، هل يمتلك غروندبرغ وفريقه الأدوات والرؤية والشبكة السياسية القادرة على التعامل مع تعقيدات اليمن؟
وهل كان تقليص حضور الخبرات اليمنية والعربية داخل المكتب، وتغيير عدد من الخبراء والمستشارين، خطوة تعزز قدرة المكتب على فهم الواقع اليمني، أم أنها أضعفت إحدى أهم أدواته في قراءة المجتمع والسياسة المحلية؟
فاليمن ليس مختبراً لتجارب الدبلوماسيين، ولا ساحة تدريب لموظف دولي، ولا ملفاً يمكن إدارته من خلف المكاتب ومن خلال التقارير الدورية.
إنه بلد شديد التعقيد، متعدد القوى والمصالح، وتحتاج مهمته إلى معرفة عميقة بتاريخه ومجتمعه وسياساته واقتصاده، وإلى فريق يمتلك خبرة إقليمية حقيقية، وقدرة على التواصل مع اليمنيين بلغتهم السياسية والاجتماعية، لا عبر التقارير فقط.
ومن هنا، فإن أي تقليص للخبرة العربية واليمنية داخل مكتب المبعوث يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استفادة المكتب من هذه الخبرات في فهم تفاصيل المشهد اليمني، خصوصاً أن كثيراً من تعقيدات الملف لا يمكن قراءتها من خلال المقاربات الدبلوماسية العامة وحدها.
أما ما يثار حول العلاقات الشخصية والعائلية للمبعوث أو الخلفيات الشخصية لبعض أعضاء فريقه، فيجب أن يبقى ضمن إطار الأسئلة المشروعة التي تحتاج إلى إجابات مؤسسية، لا أن يتحول إلى اتهامات مبنية على الهوية أو الأصل أو الانتماء من دون أدلة.
فالشفافية لا تعني التشكيك في الأشخاص، وإنما تعني أن تكون معايير الاختيار واضحة، وآليات اتخاذ القرار معلنة، وقواعد تضارب المصالح معروفة، وأن يكون معيار الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة الملف هو الأساس.
لقد آن الأوان لأن تجري الأمم المتحدة مراجعة جادة وشفافة لأداء مكتب مبعوثها إلى اليمن, ومعرفة ماذا تحقق منذ 2021؟وماذا فشل؟
ومن يتحمل مسؤولية هذا الفشل؟
وما الخطة الحقيقية لإنهاء الأزمة، لا لإدارة هدنة هشة، ولا لإبقاء اليمن في منطقة رمادية تمنح جماعة مسلحة مزيداً من الوقت لإعادة بناء أدواتها وترسيخ سيطرتها؟
فاليمنيون لا يحتاجون إلى مبعوث جديد يضيف اسماً آخر إلى قائمة المبعوثين، بقدر ما يحتاجون إلى مبعوث يمتلك الإرادة والأدوات والشجاعة السياسية لتسمية الأشياء بأسمائها، والضغط على من يعرقل السلام، وحماية العملية السياسية من أن تتحول إلى غطاء لإدارة الانقلاب.
لقد تعب اليمنيون من مبعوثين يبدأون بوعود كبيرة وينتهون بتسويات صغيرة.
وتعبوا من خرائط طريق تتغير، وهدن تتعثر، واجتماعات تتكرر، بينما تبقى جذور الأزمة دون معالجة حقيقية.
ويبقى السؤال مفتوحاً
هل كانت المشكلة دائماً في سوء حظ المبعوثين؟ أم أن المجتمع الدولي لم يمتلك، منذ البداية، الإرادة الكافية لإنهاء الأزمة اليمنية؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الأمم المتحدة، قبل أن تطلب من اليمنيين مرة أخرى انتظار مبعوث جديد، وخارطة طريق جديدة، وسلام جديد مؤجل.


