26.6 C
الجمهورية اليمنية
1:25 صباحًا - 2 أكتوبر, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
- أهم الأخبارالجندمن الأقاليم

الوازعية.. سنوات من الانتهاكات الحوثية وصمودٌ لم تنل منه مليشياتها

اليمن الاتحادي/ بشرى العامري::

في أقصى الجنوب الغربي لمحافظة تعز، حيث تتعانق الجبال مع الطريق المؤدي إلى الساحل وباب المندب، تقف الوازعية كواحدة من المناطق التي اختصر موقعها الجغرافي كثيرا من حكاية اليمن في سنوات الحرب.

مساحة تتجاوز 439 كيلومترا مربعا، وحدود تمتد بين المعافر وموزع شمالا، ولحج جنوبا، والشمايتين شرقا، وذوباب غربا.

غير أن الوازعية ليست مجرد مساحة على الخريطة؛ فهي منطقة جبلية ذات أهمية جغرافية وعسكرية، تشرف على طرق وممرات تصل ريف تعز بالساحل الغربي ومناطق باب المندب، ولذلك ظلت، بحكم موقعها، هدفا مباشرا لمليشيا الحوثي الارهابية للسيطرة على تعز وساحلها وممراتها الحيوية.

لكن خلف هذه الجغرافيا تختبئ حكاية إنسانية موجعة.

في عام 2015، وصلت الحرب الانقلابية التي شنتها مليشيا الحوثي إلى الوازعية بقسوة لم تترك للمدنيين مساحة آمنة.

ومع اجتياح مليشيا الحوثي والقوات المتحالفة معها آنذاك، تحولت القرى والمنازل إلى ساحات للقصف والمداهمات، وبدأ فصل طويل من القتل والاختطاف والتهجير ونهب الممتلكات وتدمير المنازل والمرافق العامة والخدمية. وتشير تقارير حقوقية إلى أن الفترة بين 29 سبتمبر 2015 و15 أبريل 2016 شهدت توثيق نحو 7530 حالة انتهاك، طالت أكثر من 30 ألف مدني، معظمهم من النساء والأطفال.

وتكشف الأرقام جانبا من حجم المأساة حيث قتل 132 مدنيا، ونحو 450 أصيبوا، فيما وثقت التقارير 4160 حالة تهجير، إلى جانب الاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة، واقتحام المنازل والمحال ونهبها، وتدمير مرافق حكومية وخدمية.

ولم يكن التهجير مجرد رقم في تقرير حقوقي. بل كان آلاف الناس يخرجون من بيوتهم تحت الخوف والقصف الحوثي، تاركين خلفهم أبوابا أُغلقت على ذكريات العمر، وحقولا لم تعد آمنة، ومنازل لم يعرف أصحابها إن كانوا سيعودون إليها أم ستبقى شاهدا على جحافل المليشيا التي مرّت من هنا وقضت على كل ماهو جميل فيها.

ومع مرور السنوات، لم تنتهِ آثار تلك المرحلة بانحسار معارك مقاومة المليشيا. فالنازحون والعائدون ما زالوا يحملون أثقال الحرب، فيما تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن عزلة السويداء في مديرية الوازعية كانت ضمن المناطق ذات الاحتياجات العالية في تقييم الحلول المستدامة بمحافظة تعز لعام 2025، حيث بقي السكان يواجهون صعوبات كبيرة في تجاوز مؤشرات الضعف الأساسية.

ثم جاءت موجة التصعيد الحوثية الأخيرة في غرب تعز خلال سبتمبر الجاري، لتعيد إلى الذاكرة مشاهد النزوح. وبين 3 و6 سبتمبر، نزحت آلاف الأسر من مناطق غرب تعز، واستقبلت الوازعية 375 أسرة نازحة ضمن حركة النزوح الجديدة.

وهكذا تبدو الوازعية اليوم كأنها تقف بين زمنين: ذاكرة لم تلتئم، وحاضر لا يمنحها ما يكفي من الطمأنينة.

ومع ذلك، فإن الوازعية ليست حكاية ضحية لبطش مليشيا الموت فقط. بل هي حكاية صمود بطولي مدهش و مجتمع ظل متمسكا بأرضه، وحافظ على حضوره رغم سنوات النزوح والقصف والخوف. فالمكان الذي دفع ثمنا باهظا لموقعه الاستراتيجي، لم يفقد أهله صلتهم به، ولم تستطع المليشيا أن تنتزع من الوازعية معناها في وجدان أبنائها ولا أن تنال من شموخه.

لقد مرّت المليشيا من هنا، وتركت في الجبال آثارها، وفي البيوت غيابا لا يُحصى، وفي ذاكرة الناس أسماءً ووجوها لا تُنسى.

 لكن الوازعية، مثل كثير من ريف تعز، ظلت تقول بصمود أهلها إن الجغرافيا قد تجعل المكان هدفا، لكنها لا تستطيع أن تجعل الإنسان ينحني إلى الأبد.

الوازعية اليوم بحاجة إلى أكثر من أن تُذكر عندما تشتعل الجبهات. إنها بحاجة إلى أن تُرى في زمن السلم كما رُئيت في زمن الحرب؛ وبحاجة إلى إعادة إعمار ما دمرته سنوات العبث الحوثي، وإلى استعادة الخدمات، ودعم النازحين والعائدين، وحماية المدنيين، وحفظ ذاكرة الانتهاكات حتى لا تضيع الحقيقة مع الزمن.

ففي الوازعية، ليست الجبال وحدها هي التي صمدت؛ فالناس أيضا صمدوا. وكلما عادت المليشيا لتفتح جرحا قديما، بقيت الوازعية شاهدة على أن للأرض ذاكرة، وللضحايا حق في ألا تُنسى حكايتهم.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد