اليمن الاتحادي/ بشرى العامري:
منذ بداية انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة، شرعت في ممارساتها العدائية تجاه المملكة العربية السعودية وادعاء المظلومية وتصويرها كعدو لليمن واليمنيين.
وسرعان ما اتجهت للحدود للقيام بأعمال عدائية تجاه المملكة.
ولم تتوقف تلك الاعتداءات عند حدود المواجهة العسكرية، حيث
حولت المليشيات في خطابها السياسي والإعلامي والتعبوي المملكة إلى عدو دائم، يجري تقديمه للمجتمع الواقع تحت سيطرتها باعتباره هدفاً مشروعاً للعداء والمواجهة.
وبالتوازي مع هذا الخطاب، نفذت المليشيا هجمات عابرة للحدود، استهدفت الأراضي السعودية والمدنيين والأعيان المدنية.
وفي هذا الصدد وثق مجلس الأمن الدولي هجمات حوثية متكررة عبر الحدود، استهدفت مدنيين وبنية تحتية مدنية في المملكة، إلى جانب تهديدات متعمدة باستهداف مواقع مدنية.
كما أدرج مجلس الأمن مليشيا الحوثي ضمن نظام العقوبات الخاص باليمن، ومن بين معايير الإدراج المرتبطة بها تنفيذ هجمات عابرة للحدود باستخدام الصواريخ الباليستية والمجنحة.
ولم تكن تلك الهجمات حوادث منفردة،
ففريق الخبراء التابع لمجلس الأمن وثق استمرار استخدام المليشيا للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والمجنحة في هجماتها على السعودية، من المناطق القريبة من الحدود، وصولاً إلى أهداف في عمق الأراضي السعودية.
كما أشار الفريق إلى هجمات بحرية طالت منشآت وموانئ سعودية بعيدة عن الساحل اليمني.
وفي أغسطس الماضي، أدان مجلس الأمن الهجمات الصاروخية التي شنتها مليشيا الحوثي على السعودية منذ الثالث عشر من يوليو الماضي، بالتزامن مع تحذيرات أممية من عودة اليمن إلى موجة تصعيد واسعة.
وفي الخامس عشر من سبتمبر الجاري، أدانت الأمم المتحدة مجدداً الهجمات الحوثية العابرة للحدود على السعودية، والاعتداءات التي طالت أهدافاً مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران.
وبحسب التقارير التي عرضت على مجلس الأمن، أسفرت هجمات الثامن من سبتمبر الجاري عن إصابة ثلاثة وسبعين مدنياً، بينهم نساء وأطفال، فيما أشير إلى هجمات أخرى في الرابع عشر من الشهر ذاته.
لكن الاعتداء الحوثي لم يكن عسكرياً فقط،
فإلى جانب الصاروخ والطائرة المسيّرة، نشأ خطاب تعبوي ممنهج يسعى إلى ترسيخ العداء للسعودية ، وتحويل المواجهة معها إلى جزء من هوية الجماعة ومشروعها السياسي.
فريق الخبراء الأممي وثق بدوره استمرار حملة منظمة في مناطق سيطرة المليشيا، تهدف إلى ضمان التزام السكان بأيديولوجيتها وحشد التأييد لقضيتها المزعومة وللمواجهة، عبر المخيمات الصيفية والدورات الثقافية وغيرها من أدوات التعبئة.
وهكذا…
صاروخ يُطلق باتجاه السعودية، ثم يتحول إطلاقه إلى مادة للتعبئة والتحريض.
وطائرة مسيّرة تعبر الحدود، ثم يعاد تقديم المواجهة في خطاب الجماعة باعتبارها عنواناً للانتصار والعداء.
لتشكل منظومة تجمع بين الفعل العسكري والتعبئة الفكرية، وتعيد إنتاج صورة السعودية باعتبارها خصماً دائماً، بما يعمق الانقسام ويغذي الكراهية، بدلاً من بناء علاقة تقوم على حسن الجوار والمصالح المشتركة.
واللافت أن هذا الخطاب استمر حتى في الفترات التي كانت فيها الرياض طرفاً في جهود خفض التصعيد.
فقد أشار فريق الخبراء إلى أن المحادثات السعودية – الحوثية في عام 2023 أسهمت في خلق زخم إيجابي نحو التهدئة، فيما أكدت الأمم المتحدة أهمية الحفاظ على مكاسب الهدنة التي بدأت عام 2022 وبجهود سعودية.
لكن في مفارقة تكشف حجم التناقض.
ففي الوقت الذي كانت فيه السعودية حاضرة في جهود الوساطة والتهدئة، واصلت مليشيا الحوثي خطاب العداء ضدها، قبل أن تعود إلى التصعيد العسكري كلما تبدلت حساباتها السياسيةاو تلقت توجيهات من طهران.
ولم يتوقف الأمر عند المدن والمنشآت المدنية.
فقد امتد خطاب الاستهداف والتهديد إلى المقدسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتها مكة المكرمة.
وأثارت محاولات استهداف أقدس البقاع الإسلامية بالصواريخ الباليستية إدانات واسعة من دول ومنظمات إسلامية، باعتبار أن توجيه الهجمات نحو المقدسات لا يمثل مجرد اعتداء على موقع جغرافي، وإنما مساس بحرمة أماكن ذات مكانة استثنائية لدى المسلمين في أنحاء العالم.
وتمنح قواعد القانون الدولي الإنساني حماية خاصة لأماكن العبادة والمواقع ذات القيمة الدينية والثقافية، وتحظر توجيه الأعمال العدائية إليها أو استخدامها لأغراض عسكرية أو جعلها هدفاً لأعمال الانتقام.
كما أن الاعتداء المتعمد على الممتلكات الدينية والثقافية يمكن، متى توافرت عناصر الجريمة وشروطها القانونية، أن يرقى إلى جريمة حرب.
ولهذا فإن استهداف المقدسات يطرح مسؤولية قانونية وأخلاقية تتطلب التحقيق والمساءلة.
وفق قواعد القانون الدولي الإنساني..
إن استعداء المملكة العربية السعودية لا يخدم اليمن ولا اليمنيين.
بل يوسع دائرة الخصومة، ويزيد احتمالات التصعيد، ويضع المدنيين في اليمن والسعودية أمام مخاطر لا علاقة لهم بصنع القرار العسكري.
والأخطر…
أن تحويل العداء السياسي إلى تعبئة مجتمعية يترك أثراً يتجاوز الصاروخ والطائرة المسيّرة.
فهو يعيد تشكيل وعي الأجيال على أساس الخصومة والكراهية، بدلاً من علاقات الجوار والمصالح المشتركة.
كما تجعل اليمن برمتها في وضع عدائي مع المنطقة والعالم جراء تلك الاعتداءات خصوصا على المقدسات الاسلامية والملاحة البحرية وقطع امدادات النفط والسفن البحرية وغيرها.


