موقع اليمن الاتحادي
- أهم الأخبارفن وثقافة

«آخر المُحنِّش للحنش».. حين يصبح صانع الشر أول ضحاياه

بشرى العامري:

تزخر ذاكرتتا الشعبية بآلاف الأمثال التي اختزلت تجارب الأجيال وحكمتها المتراكمة، وحولت المواقف الإنسانية والسياسية والاجتماعية إلى عبارات موجزة ذات دلالات عميقة.

ومن بين تلك الأمثال الشائعة قولهم:

*«آخر المُحنِّش للحنش».*

والمُحنِّش في لهجتنا الشعبية الدارجة هو الشخص الذي يمتهن اصطياد الثعابين وترويضها والتعامل معها، مستنداً إلى خبرته الطويلة في معرفة طباعها وطرق السيطرة عليها.

غير أن المثل ينطلق من حقيقة بسيطة ومخيفة في آن واحد، فمهما بلغت خبرة مُروِّض الثعابين ومهما ظن أنه أحكم السيطرة عليها، فإن نهايته قد تكون بلدغة قاتلة من أحد تلك الثعابين التي اعتاد التعامل معها.

ومن هنا جاء المعنى المجازي للمثل، إذ يُضرب للتحذير من مغبة العبث بالأخطار أو الاستهانة بالخصوم،

 كما يُقال لمن يزاول عملاً محفوفاً بالمخاطر ويظن أنه بمنأى عن عواقبه، حتى تصبح نهايته بسبب ذلك العمل نفسه.

ولم يقتصر استخدام المثل على الحياة اليومية فحسب، بل امتد إلى المجالين السياسي والاجتماعي، حيث يُستحضر لوصف مصير من يستعين بالظالمين أو يوظف أصحاب النفوذ والبطش لتحقيق مصالحه أو تصفية حساباته مع الآخرين، ثم ينقلب أولئك عليه فيكون ضحية لهم.

فكما أن مروّض الثعابين قد يلقى حتفه على يد ثعبان روّضه بيديه، فإن من يستقوي بالأشرار قد يكتشف متأخراً أنه صنع أدوات هلاكه بنفسه.

ويُضرب المثل أيضاً لمن يغريه الحاكم أو صاحب السلطة بإيذاء الناس وخدمة أغراضه، ثم تكون نهايته على يد ذلك الحاكم نفسه حين تنتهي الحاجة إليه أو تتبدل المصالح.

ولعل هذا المعنى هو ما عبّر عنه شاعر العربية الكبير المتنبي في بيته الشهير:

«ومن يجعلِ الضرغامَ بازاً لصيدهِ

تصيَّدهُ الضرغامُ فيمن تصيَّدا»

أي من يتخذ الأسد أداةً لتحقيق مآربه قد يصبح هو نفسه فريسة لذلك الأسد.

وهكذا يكشف المثل «آخر المُحنِّش للحنش» عن حكمة شعبية عميقة، تؤكد أن من يعتد بالسيطرة على مصادر الخطر، أو يظن أنه قادر على توظيف الشر لمصلحته، قد يجد في النهاية أن الخطر الذي استأنسه كان يترقب لحظة الانقضاض عليه.

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد