35.5 C
الجمهورية اليمنية
12:40 مساءً - 12 سبتمبر, 2026
موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

بين الخيانة والتفريط.. قراءة لما حصل في ساحل المخاء (1-2)

توفيق السامعي:

لا شك أن ما حصل في ساحل المخاء زلزال عسكري وسياسي جعل اليمنيين والعالم في دهشة وحيرة؛ كيف لقوة ضاربة عدداً وعدة أن تنهزم في ظرف أيام أمام جحافل المليشيا الحوثية الغازية، التي لم تنتصر بقوتها بل بتشتت قرار جبهات الشرعية المتصدية لها، وتعدد غرف عملياتها وعدم التنسيق فيما بينها.

يذهب الكثير من المحللين والمتابعين إلى أن غزو المليشيات الحوثية المخاء والساحل الغربي عموماً وسيطرتها عليه يشبه إلى حد كبير غزوها العاصمة صنعاء والسيطرة عليها في 21 سبتمبر 2014.

كيف بدأت المشكلة والتصعيد

– في يوم الأحد الثامن من أغسطس 2026، صعدت مليشيا الحوثية الإرهابية من قصفها المخاء مدينة وميناءً بشكل مفاجئ وكأنها حصلت على ضوء أخضر من قوى دولية خارجية، وبذلك اعتبرت أنها قضت على حالة التهدئة المتفق عليها مع الشرعية والتحالف العربي برعاية دولية التي تم التفاهم عليها في أبريل 2022، ونقضت العهد والاتفاق كعادتها مع كل الاتفاقيات السابقة، وتحولت مليشيا الحوثي الإرهابية من استهداف السفن في البحر الأحمر إلى قصف ميناء ومدينة المخاء بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطيران المسير.

– وفي يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026 جددت مليشيا الحوثي قصف مدينة المخا بـ10 صواريخ باليستية و4 طائرات مسيرة.

– وفي اليوم التالي الأربعاء 12 أغسطس جددت تلك المليشيا قصف ميناء المخا الإستراتيجي بعدة صواريخ باليستية أيضاً مواصلة لعمليات القصف السابقة.

– وفي يوم الأربعاء 26 أغسطس جددت مليشيا الإرهاب الحوثية قصف ميناء المخاء بثلاثة صواريخ باليستية، فيما سقط صاروخ باليستي رابع داخل مدينة الخوخة. وبحسب طارق صالح، فإن إجمالي الصواريخ التي أطلقت على المخاء بلغت 57 صاروخا باليستيا وعشرات الطائرات المسيّرة المفخخة.

تصاعد سلسلة الهجمات الصاروخية على المخاء كان يجب أن يقرأ في إطار الاستهداف الممنهج الذي يشير إلى أين يمضي الطريق، خاصة مع تصاعد الخطاب الإيراني والحوثي والدولي أن عين إيران على مضيق باب المندب، وهذا يعكس فشلاً استخباراتياً ذريعاً للشرعية عموماً ومكون طارق خصوصاً، خاصة مع تحرك مليشيا الإرهاب الحوثي برياً والضغط من محور البرح ومقبنة كخارطة مرسومة الهدف والاتجاه.

في تلك الأثناء كان على صانع القرار توجيه جل قواته إلى تلك المناطق لتعزيز صمودها وكسر الأنساق الحوثية بعيداً عن مركز القيادة، خاصة وأن الكثير من الكتابات والمؤشرات كانت تنبه إلى ذلك ولم يستمع إليها طارق.

كانت تلك المنطقة حائط الصد الأول والنسق الأمني الأول والأكبر والأهم لمنطقة الساحل عموماً، وكان على الجميع التعامل معه على أنه الجبهة الأهم حيث تحمى الجمهورية ويحافظ على جيشها ومناطقها من تلك الجبهة.

توجه محور تعز إلى تلك الجبهات بإمكانياته المحدودة واشتبك مع مليشيا الإرهاب الحوثي، غير أن فارق الإمكانيات والأنساق وطبيعة خطوط الإمداد كانت في صالح المليشيا الحوثية التي تسيطر على شرايين الحركة هناك.

لم يستمع الجميع لنداءات القائد مفضل الحميري الذي يعيش في صلب الجبهة والمواجهات وهو يطلب سلاحاً وذخيرة وصرف رواتب الجنود في ذلك المكان لتعزيز صموده وكسر الزحف الحوثي، وكانت الأسلحة البسيطة التي يمكن أن يمد بها ستحدث فرقاً وتعزز صموداً هناك، لكن للأسف لم يحصل أي من ذلك.

ممرات مليشيات الحوثية وتعزيزاتها

تعتبر المنطقة الغربية لمحافظة تعز طبيعة جبلية وعرة، تتجمع بشكل رئيسي في منطقة البرح ومن ثم تتوزع على بقية المناطق المجاورة، وبين هذه الجبال شرايين وخطوط وممرات ضيقة تتصل بمنطقة جبل حبشي التي تهبط إلى الكدحة.

تمثل منطقة البرح عقدة كل الشرايين والخطوط والتعزيزات، وهذه المنطقة أهملت من قبل قوات طارق ويدل هذا الإهمال على عدم الدراية بالقيادة ولا التخطيط الاستخباراتي ولا الاستراتيجي رغم أنه يوجد لديهم مراكز دراسات عدة إلا أنهم لم يكلفوا أنفسهم دراسة هذه المنطقة وما تمثله من عمق أمني لحماية المخاء.

لو كان الرجل قيادياً بارعاً سواء على المستوى العسكري أو السياسي ما ترك هذه المنطقة، ولعزز إليها بكل ما يستطيع من قوة لأخذها خاصة وهي مهددة له على الدوام، ومنها تتوزع عناصرها إلى الجبال المحيطة وتقصف المخاء أو الجبهات المتقدمة لقواته.

كان بإمكان لواء من ألويته التموضع في قمم مجاورة بما يمتلكه من أسلحة متطورة وأدوات مراقبة والسيطرة على كل الشرايين فمن يمسك تلك القمم يتحكم بكل الممرات وبطون الأودية وبإمكانه اصطياد كل تحرك هناك.

قبل ثلاثة أعوام دارت معركة كبيرة بين قوات المحور والمليشيات الحوثية، ووصلت قوات المحور إلى الجبال المطلة على البرح، وكانت البندقية تطلق إلى أماكن تمركز الحوثية، لكنها ومع قلة الدعم تراجعت أمام ضربات الطيران المسير والكثافة النيرانية الحوثية، وعلى الرغم من كل ذلك طلب المحور دعماً إسنادياً من طارق عفاش للحفاظ على تلك المكاسب فسوف ورفض، وخسر الجميع فرصة حماية تلك المناطق، واليوم مع الغزو الحوثي أدرك الجميع أهمية تلك المناطق.

بدايات انسحاب ألوية المقاومة الوطنية

بينما كان الجيش والمقاومة الشعبية ينتشران في تلك المناطق الجبلية وهم يكسرون أنساق الحوثيين المهاجمة نسقاً وراء نسق وتتجندل جثثهم في الشعاب والوديان، فاجأ اللواء الرابع أحد ألوية المقاومة الوطنية (قوات طارق) بالانسحاب من الجبهة يوم السبت 5 سبتمبر دون أي تنسيق بالانسحاب مع محور تعز ليغطي ثغرة الانسحاب في الكدحة، ومعلوم أنه في المعارك إذا أرادت بعض الوحدات إعادة تموضع لتغطية جبهة من الجبهات الضعيفة أن تنسق مع قيادة الميدان والعمليات للحفاظ على تماسك الجبهات وعدم ترك ثغرة للعدو للنفاذ منها، وهو ما لم يحصل من لواء طارق المنسحب، مما فتح فعلاً ثغرة حقيقية للمليشيات الحوثية حتى وصلت إلى الكدحة وسيطر على مفرق الشراجة وبعض المناطق هناك، مما اضطر محور تعز والمقاومة الشعبية للنفير إلى تلك المناطق واستمرار الاشتباك والتصدي للمليشيا الحوثية، ومعلوم أن تلك المنطقة تقع ضمن عمليات المقاومة الوطنية وليس هناك لمحور تعز إلا وحدة من الشرطة العسكرية، واستنفرت المواطنين والمقاومة الشعبية لتلك الجبهة.

أجريت تواصلاً ببعض المصادر الميدانية للوقوف على الأحداث وما يجري في الكدحة فخرجت بكم من المعلومات حول ما يجري هناك.

فبحسب تلك المصادر فإن محور تعز والمقاومة الشعبية يخوضون المعارك الجبلية الوعرة في الكدحة بمساحة تقدر ب47 كيلومتراً مربعاً، دون وجود خطوط إمداد أو شريان للتحرك بسلاسة نحو بقية المواقع، بينما تتحرك الحوثية بسهولة وانسيابية في شرايين مقبنة وجبل حبشي وصولاً للكدحة، ومما شكل تواصل الأنساق لها من طرق متعددة بعد انسحاب اللواء الرابع مقاومة وطنية.

بعد يومين من الانسحاب للواء الرابع فاجأ الجميع انسحاب آخر للواء الخامس مقاومة وطنية بعد الكدحة على مشارف الوازعية ودون تنسيق أيضاً مع المحور مما فتح الباب على مصراعيه لدخول المليشيات الحوثية إلى مديرية الوازعية، ولم يكن هناك من مقاومة إلا من أبناء المنطقة بشكل شعبي وبأسلحة محدودة.

حاول بعض أبناء المنطقة التصدي لذلك الانسحاب وأخذوا بعض الأسلحة الشخصية من المنسحبين ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع المليشيات الحوثية بإمكانيات بسيطة كما كان في 2015.

أمام هذه الثغرة الكبيرة التي فتحها اللواءان المنسحبان أربك المسرح الميداني، ومنح نصراً معنوياً كبيراً للمليشيا الحوثية، ومثّل إحباطاً للمدافعين والمؤيدين للشرعية، مما حدا باللواء حمدي شكري محاولة سد الثغرة تلك من خلال ألوية العمالقة، لكن الوقت كان قد أزف، وصار أشبه بترقيع غير مجدٍ، كما علمنا وتابعنا بعض المقاطع المسجلة من العمالقة حيث قالت بعض التسجيلات بينما نحن نحاول التعزيز والحماية وإذ بالجماعة المعنيين ينسحبون ويتركوننا!

هذا التقهقر الكبير جعل خطوط دفاع المقاومة تتساقط كتساقط أحجار الدومينو بشكل متسارع، فهل كانت خيانة أم سوء قيادة؟!

كتبنا عن ذلك في حينه، وانهالت علينا الشتائم من كل صوب على اعتبار أننا مرجفون ولا نقدر الموقف، بينما كانت الجريمة ترتكب بتبرير واهٍ.

كان الأمر لافتاً ومثيراً للارتياب أن يبدأ الذباب الالكتروني التابع لعمار صالح ومكون الساحل بالتحدث عن الانسحاب قبل أن يبدأ، من بوابة مهاجمة مكونات الشرعية وسوق الاتهامات لهم أنهم يثيرون معلومات مضللة عن انسحابات لم تجرِ ولم تتم بعد، ولاحظنا كتابات يتيمة رداً من بعض الأشخاص المحسوبين على تعز على هذا الذباب أنه لم يهاجمهم أحد، ولم يتحدث أحد عن انسحابات؛ بل على العكس من ذلك الكل اصطف اصطفافاً كبيراً حول المعركة وترك المناكفات تقديراً للموقف وتوحيداً للجهود!

فهذا دفعنا للفضول للاستفسار الميداني عن هذه الأمور، وظهر الانسحاب بعد يومين من أحاديث ذباب الساحل الإلكتروني، مما أثار الشك أنه كانت هناك ترتيبات للانسحاب الفعلي.

الانسحاب والخيانة وسوء القيادة

ثلاث جرائم مركبة في وقت واحد إذا اجتمعت في جبهة من الجبهات دمرتها، وتستدعي تحقيقاً ومساءلة سريعة من القيادة العليا للقوات المسلحة.

ولمعرفة إن كانت تلك الانسحابات خيانات أم أوامر بإعادة تموضع علينا التحري عن كثير من الأشياء وربط خيوطها المتشابكة من كل صوب؛ من أعطى أوامر الانسحاب؟ وكيف تم الانسحاب؟ ومن هي قيادات تلك الألوية؟ وهل كان التسجيل المسرب لاتصال طارق صالح في تلك الأثناء أم بعدها؟

الأولوية المنسحبة لم يتم إعادة تموضعها ولم تعزز ثغرات في جبهات أخرى، ومعظم الوحدات الاحتياطية لم تتحرك من المخاء تعزيزاً لهذه الجبهات، بل لقد أظهرت الأحداث أن خطوط المواجهة للمقاومة الوطنية في هذه الأثناء مطمئنة وقوية وكبيرة بدليل أن ألوية منها مع ألوية العمالقة تركت جبهات الوازعية والكدحة وذهبت باتجاه حيس والجراحي لتفتح جبهات هناك!

جرى مثل هذا السيناريو من التسجيل وأوامر الانسحاب وهجوم المليشيا بالأنساق في نهم عام 2019، وفعلا جرى انسحاب الوحدات من جبال نهم، غير أن هناك فرقاً جوهرياً بين الحدثين؛ ففي نهم كان هناك بطل شجاع اسمه أبو منير (اللواء ناصر الذيباني) وقف للمنسحبين بقوة وأوقف انسحابهم في مفرق الجوف، وبدت قيادته الشجاعة وحزمه وعزمه؛ فقد أمر الشرطة العسكرية باعتقال أو إطلاق النار على كل المنسحبين حينما اكتشف أن هناك خيانة في الأمر، واستطاع لملمة القوة المنسحبة خلال ليلة واحدة لم يصبح الصباح إلا والقوة مجتمعة وتحرس المفرق وأوقف انهيار الجيش، فكان أعظم موقف على الإطلاق في الجيش بعد تكوين الشدادي للجيش المنسحب بعد خيانة محمد ناصر أحمد وتسليم الجمهورية للإمامة في 21 سبتمبر 2014.

…. يتبع

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد