*شادية الغامدي:
ليست الأزمات وحدها ما يكشف قوة الدول، بل الطريقة التي تواجه بها التحديات وتحافظ من خلالها على تماسكها ومكانتها. فحين تتعرض دولة لاعتداء يستهدف أمنها، يصبح الاختبار أوسع من حدود المواجهة العسكرية إذ يمتد إلى صلابة مؤسساتها، ووعي مجتمعها، وقدرتها على إدارة الموقف دون أن تفقد اتزانها أو تنحرف عن أولوياتها.
وفي الاعتداءات الحوثية الإرهابية الأخيرة على المملكة العربية السعودية، برزت حقيقة سياسية تتجاوز الحدث ذاته فالدولة التي تمتلك مقومات القوة لا تسمح للتهديدات بأن تفرض عليها مسارها، وإنما تتعامل معها وفق حسابات تحفظ السيادة، وتصون المصالح، وتراعي مسؤولياتها الإقليمية والدولية.
ولعل أبرز ما يميز التجربة السعودية ذلك الترابط بين القيادة والشعب، الذي يتجلى في المواقف المفصلية باعتباره رصيداً وطنياً يتجاوز التعبير العاطفي. فالمواطن الواعي يدرك أن حماية وطنه لا تقتصر على ميادين الدفاع، بل تشمل مسؤوليته تجاه المعلومات المتداولة، ورفض الشائعات، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، والمحافظة على انتظام الحياة العامة. وهكذا يتحول الانتماء من شعور بالفخر إلى ممارسة تعزز الاستقرار.
وعلى الصعيد الخارجي، حملت الإدانات الدولية للاعتداءات دلالات تتجاوز التضامن الدبلوماسي. فقد أكد مجلس الأمن رفض استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، بينما شددت دول مجلس التعاون على وحدة أمنها ووقوفها إلى جانب المملكة. وهذه المواقف تعكس إدراكاً لأهمية السعودية في معادلة الأمن الإقليمي، ولما قد يترتب على تهديد أراضيها من تداعيات تمس الملاحة والطاقة والمصالح الدولية.
غير أن قيمة هذا التأييد لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة، وإنما بقدرته على دعم خطوات عملية تحدّ من مصادر التهديد وتحول دون تكرار الاعتداءات. فالتضامن السياسي يكتسب معناه الحقيقي عندما يقترن الالتزام بالقانون الدولي، وتعزيز التعاون الأمني، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تقويض السلم.
وفي المقابل، تكشف إدارة المملكة لهذه المرحلة عن أهمية الجمع بين الحزم والحكمة فالدفاع عن السيادة حق أصيل، كما أن تجنب اتساع النزاعات مسؤولية تقتضي تقدير العواقب. وليست الدبلوماسية نقيضاً للقوة، بل إحدى أدواتها حين تستند إلى موقف ثابت وقدرة على حماية المصالح الوطنية.
إن ما يميز الدول الراسخة ليس غياب المخاطر عن محيطها، وإنما امتلاكها مؤسسات قادرة على التعامل معها، ومجتمعاً يدرك مسؤولياته، وسياسة تحافظ على أهدافها رغم تبدل الظروف. فقد تستطيع الاعتداءات استهداف منشأة أو تعطيل مرفق، لكنها لا تستطيع زعزعة وطن تتكامل فيه قوة الدولة مع وعي شعبها لأن الاستقرار الحقيقي لا تحرسه الحدود وحدها، بل تحميه أيضاً الثقة التي تجمع القيادة بالمجتمع.
*اعلامية سعودية


