بشرى العامري:
في بني حشيش بصنعاء، وفي سوق شعبي بالوازعية في تعز، سقط مدنيون يمنيون تحت القصف، لتعود الأسئلة ذاتها التي يهرب منها الحوثيون كلما ضاقت عليهم دائرة الاتهام: من قتل هؤلاء؟ ومن وضع المدن والقرى اليمنية في مرمى النار؟ ومن جعل حياة المدنيين مجرد تفصيل هامشي في معركة البحث عن السلطة؟
قبل بني حشيش والوازعية، كانت تعز تنزف منذ سنوات طويلة.
عقد ونيف من الحصار والقصف والقنص والاختطاف والمداهمات، ومنع الخدمات، وتقييد حركة المدنيين، واستهداف الأحياء والمرافق، والتنكيل بكل من يرفض الخضوع.
تعز لم تعرف خلال هذه السنوات يوماً طبيعياً منذ أن أحكمت مليشيا الحوثي حصارها عليها، بل تحولت المدينة إلى شاهد حي على مشروع لا يرى في الإنسان إلا رقماً في معادلة السيطرة.
في تعز، لم يقتصر الأمر على القتل والقصف، هناك منظومة كاملة من التنكيل والإقصاء والتصنيف؛ فمن يرفض الحوثيين يصبح عميلاً، ومن يعارضهم مرتزقاً، ومن يفضح انتهاكاتهم خائناً، ومن لا ينتمي إلى مشروعهم السلالي والطائفي يوضع خارج دائرة المواطنة التي يتحدثون عنها حين تخدمهم.
وهنا تكمن خطورة المشروع الحوثي: إنه لا يطلب من اليمنيين مجرد الخضوع السياسي، بل يريد إخضاع المجتمع نفسه، وإعادة تشكيله وفق رؤية ضيقة لا مكان فيها للتنوع اليمني ولا للمواطنة المتساوية.
ولذلك فإن مليشيا الحوثي، في طبيعة مشروعها الإقصائي واستباحتها للدماء من أجل فرض السيطرة، لا تختلف في جوهر ممارساتها عن التنظيمات المتطرفة كالقاعدة وداعش التي تقوم على إلغاء الآخر وتكفيره واستباحة حياته.
قد تختلف الشعارات والأدوات، لكن النتيجة واحدة: مجتمع يُراد له أن يخضع بالقوة، وأرواح تُهدر عندما تقف في طريق المشروع.
ومنذ الحروب الأولى التي أشعلتها المليشيا عام 2004، لم يكن العنف بالنسبة إليها حالة طارئة، بل وسيلة متكررة للوصول إلى أهدافها. وحين وصلت إلى صنعاء وأسقطت مؤسسات الدولة بقوة السلاح، لم تتوقف عند حدود السيطرة على السلطة، بل شرعت في تفكيك الدولة وإخضاع مؤسساتها وتحويلها إلى أدوات في يد الجماعة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد اليمنيون يدفعون ثمن حرب واحدة، بل ثمن مشروع كامل منذ أكثر من عقدين.
ثمنه قتيل لا يعود إلى أسرته، وجريح يحمل إصابته طوال حياته، ومعتقل خلف القضبان، ومختفٍ لا تعرف أسرته مصيره، وطفل حُرم من مدرسته، وموظف انقطعت عنه راتبه، وأسرة دفعتها الحاجة إلى النزوح، ويمني اضطر إلى مغادرة بلاده بحثاً عن لقمة العيش والأمان.
لقد أُنهكت البلاد اقتصادياً، وتراجعت الخدمات، واتسعت دوائر الفقر والجوع والمرض، ودُمرت مؤسسات، واستنزفت مقدرات، وتحولت حياة ملايين اليمنيين إلى رحلة يومية بين الحاجة والخوف والبحث عن أبسط مقومات الحياة.د، في بلد لم يعد فيه شيء سوى الموت والدمار.
لم يتوقف الخراب عند الحجر والمؤسسات، فقد امتد إلى الإنسان نفسه.
زرعت المليشيا الكراهية بين اليمنيين، وأعادت إحياء العصبيات المناطقية والمذهبية والسلالية، وعمقت الانقسامات، وأشعلت النعرات، وقسمت المجتمع إلى موالٍ وعدو، ومؤمن بمشروعها وخصم له، حتى أصبح الاختلاف في الرأي سبباً كافياً للاتهام والملاحقة والاعتقال.
وفي تعز، تجلت هذه السياسة بأبشع صورها، مدينة محاصرة منذ أكثر من عقد، لكنها لم تستسلم.ولهذا ظلت هدفاً دائماً للقصف والتنكيل، وتعرضت لأشكال متعددة من الانتهاكات، في محاولة لإخضاعها وكسر إرادة سكانها.
واليوم، وبعد أكثر من شهرين من التصعيد الحوثي الجديد، تعود المليشيا إلى الأسلوب ذاته: الضغط بالنار، وتشديد الخناق، واستهداف المدنيين، ومحاولة تحويل تعز إلى مدينة تستنزف حتى تنهار.
وخلال أكتوبر الماضي فقط ، لم تكن تعز وحدها في دائرة النار. فقد شهدت الضالع وشبوة ومناطق أخرى سقوط ضحايا في موجة تصعيد دامية، في مشاهد أثارت إدانات واسعة، وأعادت إلى الواجهة حقيقة أن المدنيين هم أول من يدفع ثمن مشروع الحوثيين العسكري.
وفي الوقت الذي كانت فيه العائلات اليمنية تبحث عن جثث أبنائها أو تعالج جرحاها، كان خطاب الحوثيين يتعامل مع الدم بمنطق مختلف تماماً؛ احتفاء بالصواريخ، وتشفٍ بالضحايا، وألعاب نارية في صنعاء عقب إطلاق المقذوفات، وكأن قتل اليمنيين انتصار يستحق الاحتفال.
أي سقوط أخلاقي أكبر من هذا؟
ثم تأتي المأساة الأخرى: حين تقع جريمة في منطقة خاضعة للحوثيين، تبدأ ماكينة الدعاية بالعمل.
في الوازعية، وبعد قصف سوق الحضارة الشعبي وسقوط ضحايا مدنيين، سارعت المنظومة الإعلامية الحوثية إلى اتهام التحالف العربي، قبل اكتمال أي تحقيق مستقل يحدد المسؤولية. وهذا ليس جديداً على خطاب المليشيا؛ فكلما ارتفعت كلفة جرائمها السياسية والإعلامية، تبحث عن رواية تنقل الأنظار بعيداً عنها.
لكن الاتهام الإعلامي ليس تحقيقاً، والبيان الدعائي ليس دليلاً.
وإذا كانت هناك أدلة تثبت مسؤولية طرف آخر عن الجريمة، فلتُقدم للرأي العام، ولتُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة. أما تحويل دماء الضحايا إلى مادة للدعاية السياسية، فهو إساءة جديدة للضحايا أنفسهم.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه الحملات لا تتوقف عند نشر الرواية الحوثية، بل تمتد إلى استهداف الصحفيين والناشطين والحقوقيين الذين يوثقون الانتهاكات.
فما إن يرفع صحفي صوته ضد جريمة حوثية حتى تبدأ الاتهامات: عميل، مرتزق، مرتهن، مأجور.
وكأن الجريمة ليست المشكلة، وإنما المشكلة في الصحفي الذي كشفها.
وكأن من يصور الضحية هو المجرم، ومن قتلها هو صاحب الحق في تحديد الرواية.
وفي المقابل، تظهر أصوات اعتادت الصمت طويلاً أمام انتهاكات الحوثيين، لكنها تنتفض فجأة أمام أي حادثة يمكن استخدامها لمهاجمة التحالف أو الحكومة أو الجيش الوطني. إنها ازدواجية لا علاقة لها بالحقوق ولا بالإنسانية، وإنما بالمواقف السياسية التي تتغير بتغير الجهة التي يمكن تحميلها المسؤولية.
أما بني حشيش، فلا ينبغي أن تتحول هي الأخرى إلى مسرح لتبادل الاتهامات قبل ظهور الحقائق.
وإذا كان القصف قد استهدف مواقع عسكرية حوثية أو مخازن أسلحة أو منصات إطلاق صواريخ، فإن وضع هذه المنشآت داخل مناطق مأهولة وتعريض المدنيين للخطر بجعلهم دروعا بشرية يمثل بحد ذاته سلوكاً بالغ الخطورة.
وإذا كان المقذوف قد أطلقته المليشيا وأخفق في الوصول إلى هدفه، فالمسؤولية لا يمكن دفنها تحت ركام الدعاية.
وإذا كانت هناك رواية أخرى، فليكن التحقيق هو الحكم.
فالدم اليمني أغلى من كل البيانات، وأكبر من كل الحسابات السياسية.
لكن وسط كل هذه التفاصيل تبقى الحقيقة التي لا يستطيع الحوثيون الهروب منها: هم من بدأوا مشروع إسقاط الدولة بالقوة، وهم من جعلوا السلاح وسيلة لفرض الإرادة، وهم من وسعوا دائرة العنف، وهم من أدخلوا اليمن في واحدة من أكثر مراحله دموية وانهياراً.
ولذلك، فإن المسؤولية عن جريمة بعينها تُحددها الأدلة، لكن المسؤولية عن خلق البيئة التي جعلت اليمن ساحة مفتوحة للعنف والانتهاكات لا يمكن فصلها عن الانقلاب الحوثي ومشروعه المسلح.
لقد دمرت المليشيا الدولة، ومزقت المجتمع، وأرهقت الاقتصاد، وشردت الملايين، وأغلقت أبواب المستقبل أمام أجيال كاملة.
وكلما أُتيحت لها فرصة للعودة إلى المسار السياسي، استخدمتها لإعادة ترتيب صفوفها ثم استئناف التصعيد.
جُربت الهدن، وجُربت المشاورات، ووقعت اتفاقات، وطرحت مبادرات، وفي كل مرة كان الحوثيون يعودون إلى الميدان أكثر تشدداً، وكأن السلام بالنسبة إليهم مجرد محطة مؤقتة قبل جولة جديدة من العنف.
لهذا لن تنتهي مأساة اليمن بإدارة الأزمة إلى ما لا نهاية، ولن يستعيد اليمن أمنه بمجرد هدنة مؤقتة تُبقي أصل المشكلة قائماً.
الحل يبدأ باستعادة الدولة، وإنهاء منطق المليشيا، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وضمان أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة وحدها، وأن يصبح اليمنيون جميعاً متساوين أمام القانون، لا أن يكون مستقبلهم رهناً بجماعة مسلحة تدعي امتلاك الحق في تقرير مصيرهم.
أما دماء تعز والضالع وشبوة وصنعاء، ودماء كل مدينة وقرية يمنية نزفت طوال هذه السنوات، فليست مجرد أرقام في تقارير حقوقية، بل إنها ذاكرة وطن، وكل قطرة دم فيها تقول شيئاً واحداً، لا يمكن لمن أشعل النار في اليمن أن يكون هو من يقرر كيف ينتهي الحريق.
ولن تستعيد اليمن عافيتها ما دام مشروع السلاح فوق الدولة، وما دامت جماعة مسلحة ترى في إخضاع اليمنيين حقاً لها، وفي دمائهم ثمناً مشروعاً لبقائها.
فاليمن لا يحتاج إلى هدنة أخرى تؤجل الجريمة، بل إلى سلام حقيقي يعيد الدولة، ويصون الإنسان، ويضع حداً نهائياً لمشروع جعل من اليمن ساحة مفتوحة للقتل والخراب.


