موقع اليمن الاتحادي
Image default
اقلام حرة

بين الخيانة والتفريط.. قراءة لما حصل في ساحل المخاء (2-2)

توفيق السامعي:

الخطأ القاتل والطيران المسير

قد نكون بعيدين عن الواقع الميداني وما يدور فيه من حراك عسكري وسياسي، وتقدير الموقف هو لأصحاب الميدان بطبيعة الحال، لكنا كنا نراقب هذه التحركات اولاً بأول ونربط خيوطها مع بعضها البعض لنعرف أين سيستقر بنا الحال.

وبرأيي الذي كتبته في حينه فإن تحرك بعض ألوية وقوات المقاومة الوطنية مع تعزيزات العمالقة التي أتت يوم السبت 5 سبتمبر تقريباً وتوجهت إلى حيس وإلى الجراحي بحجة قطع خطوط إمداد المليشيا الحوثية الإرهابية القادم من مفرق العدين، بحسب تصريحات المهاجمين حينها، فقد كان الخطأ القاتل الثاني الذي ترك فعلاً الخطوط الأساسية للإمداد الحوثي القادمة من البرح ومقبنة إلى الكدحة، وهي ظهر المقاومة المكشوف والذي كان ينبغي تأمينه بالمقام الأول وقبل كل شيء.

تزامن هذا التحرك بالانسحاب الذي أوردناه سابقاً للواءين الرابع والخامس من الكدحة والوازعية مما كان له بالغ الأثر في إرباك الجبهات، فضلاً عن السبب الأهم الذي سنورده لاحقاً.

هناك موضوع مهم غاب عن المشهد أثناء القتال والانسحاب والذي كنا نتابعه ونزهو به في الأسابيع الماضية، وغاب عند الحاجة الماسة والضرورية عند احتدام المعارك، ألا وهو الطيران المسير.

الطيران المسير للمقاومة الوطنية كان فاعلاً ودقيقاً خلال الأسابيع الماضية، وما كانت تبثه قناة الجمهورية المملوكة لطارق كان يرفع الروح المعنوية والحماسية لصف الشرعية عموماً، ولكن للأسف الشديد هذا السلاح ارتبك مع ارتباك القيادة والمعركة الفاصلة في جبهات الساحل؛ فبينما كان الأصل أن يدك أنساق وتعزيزات المليشيا في خطوطها المكشوفة قبل وبعد السيطرة على معسكر خالد بن الوليد وفي الوازعية ليعيق على الأقل تقدم هذه المليشيا نجده يغيب غياباً تاماً في اللحظات الحرجة، والطيران مع توفره بكمية كبيرة كان سيكون العامل الحاسم في هذه المعركة، فكيف غاب في اللحظات الأخيرة؟!

هذا الأمر يفتح علامات استفهام كبرى في المعركة إلى جانب من أعطى أوامر الانسحاب!

كما كان هناك طيران حربي مصاحب للمعارك الميدانية، وإن بشكل أقل، إلا أن الطيران عامل مساعد وليس كل الحسم؛ فالحسم لرجال الميدان على البر وبصبرهم وثباتهم مهما كان ضعفهم أو قلة الإمكانات لديهم إلا أن الثبات والصبر يحدث النصر في النهاية.

من أعطى أوامر الانسحاب؟

عندما سربت مليشيا الحوثي مقطعاً صوتياً لطارق صالح وهو يجري اتصالاً بقادات الألوية صدرت عدت بيانات لمكونه وإعلامه بعدم صحة التسريب، ونحن كإعلاميين مؤيدين للشرعية وداعمين لطارق في تلك الحرب سارعنا لعدم تصديق الاتصال على اعتبار أنه صادم ولا يمكن أن يصدر عن قيادة حصيفة تقدر الأمور حق قدرها في الميدان، وذهب الجميع للتبرير أنه صوت مصنوع بالذكاء الاصطناعي نظراً لسيطرة مليشيا الحوثي على شركات الاتصالات، ولكن!

لكن للأسف الشديد اتضح من خلال ما يجري في الميدان من انسحابات دون سابق إنذار بينما لم تكن المواجهات على أشدها أن هذه المعطيات تؤكد أن طارق هو من أعطى أوامر الانسحاب، ولو لم تكن هناك انسحابات بالتوازي مع تلك الأوامر ما صدقنا.

لقد كتبنا أن سيناريو التسجيل والانسحاب كان نفس سيناريو جبهة نهم في 2019، وأنه اختراق لأجهزة الاتصالات، ولم نصدق كبسطاء ليس لنا خبرة في العمل العسكري إلا ما تجود به قرائحنا التحليلية من خلال المواكبة الإخبارية كإعلاميين.

لكن الوقائع على الأرض خيبت آمالنا وأكدت صحة التسجيل للأسف الشديد!

الحسن طاهر يفجر قنبلة الانسحاب

لمعرفة كيفية جرت أوامر الانسحاب علينا العودة إلى الوراء قليلاً والاستماع إلى مقابلة “البودكاست” التي أجراها أسامة عادل مع محافظ محافظة الحديدة الحسن طاهر، والذي أوضح فيه عملية الانسحاب الغامضة لقوات طارق من الحديدة عام 2018 عقب اتفاق استكهولم، فقد كشف الحسن طاهر أن أوامر انسحاب تلك القوات لم يكن لها طرف محدد؛ بدأت بانسحاب بعض الألوية ثم تلتها بقية القوات، دون تنسيق مع الشرعية ولا مع أية جهة أخرى، وتركت الحديدة تواجه مصيرها مع المليشيات الحوثية.

حاول الحسن طاهر تبرئة طارق من جهة لكنه وجه الإشارة إليه بشكل غير مباشر حينما أعطى طارق هذا الانسحاب مظلة الاعتراف وشرعية تبريرية بتصريحاته المثيرة للجدل بأن تلك العملية أتت في إطار إعادة التموضع للقوات في الساحل.

بدا الأمر الغامض هنا شديد الوضوح؛ إذ تشير كل الدلائل إلى أن الإمارات هي من أوعزت لطارق بالانسحاب، لكن الأكثر إشكالية منه أنه تم الانسحاب في جنح الظلام دون تنسيق مع الشرعية ولا الأمم المتحدة ولا مع السعودية قائدة التحالف المعنية بالأمر، فانعكس الأمر على المقاومين والمدنيين قتلاً واعتقالاً ونهباً لبيوتهم من قبل الحوثيين.

حينها كانت تسريبات أصحاب طارق أن بريطانيا هي من ضغطت بالانسحاب وهددت بقصف القوات من أساطيلها في البحر الأحمر، على الرغم من أن اتفاق استكهولم كان ينص على الانسحاب من الميناء والمدينة إلى مسافة عشرة كيلو مترات فقط خارج المدينة لكافة الأطراف، فكيف تم الضغط على القوات المشتركة ولم تنسحب المليشيات التي ظلت تتحكم بالميناء والمدينة؟!

إن دققنا في كلام الحسن طاهر فإن الإمارات بدأت بإعطاء الأوامر لقيادات ألوية من تحت إدارة طارق، وهذا يعني أن الإمارات أبقت على بعض الخيوط الاحتياطية من قادة الألوية تتحكم بهم دون طارق إذا لم يطبق أوامرها، وهذا يقودنا إلى أوامر الانسحاب المماثل للواءين الرابع والخامس قبل تسجيل طارق، وأن أوامره الأخيرة أعطت غطاءً فقط للانسحاب كما حصل في الحديدة، وهذا يعني أن للإمارات يداً في هذا الانسحاب والهزيمة، وهو ما يلمح إليه مستشار بن زايد عبدالخالق عبدالله وبوضوح أكثر عملية تسليم ضخمة للحوثيين كتلك التي جرت في صنعاء 2014.

لا يستبعد هذا الأمر، فكثير من المحللين السياسيين يتابعون هذا الأمر ويقولون إن المخابرات الإماراتية التقت بعناصر قيادية من المليشيات الحوثية في أغسطس الماضي وربما جرى الاتفاق والتنسيق على هذا الأمر لترد بذلك الإمارات على طردها من اليمن وعلى عملية إزاحة عيدروس والانتقالي من المحافظات الشرقية.

لماذا ذابت هذه القوة ذوبان الملح رغم إمكانياتها الضخمة؟

مثلت قوات طارق في المخاء قوة ضاربة تتكون من قرابة 50 ألف مقاتل بين ضابط وضابط صف ومجند، فضلاً عن أجهزته المختلفة من شرطة وأمن ومخابرات ومدنيين إداريين وإعلاميين وسياسيين، وفوق كل ذلك عتاد ضخم لا تمتلكه قوات الشرعية كلها، وكذلك رواتب عالية ومنتظمة، مما ولد حياة استقرار وترف كبيرة في المخاء، بعكس كل القوات الأخرى.

هذه البيئة صارت جاذبة لكل من وجه وجهه تجاهها، وخاصة من المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الإرهاب الحوثي، وشهدت عمليات التجنيد والاستقطاب الكبيرة بعد التأسيس موجات كبيرة من النزوح وخاصة من قوات الحرس القديم التي مثلت القوة الضاربة في هذه القوات.

الحرس القديم كما يعلم الجميع ليس فقط مخترقاً من الإمامة والهاشميين بشكل عام فقد كان أكبر محوىً وتجمع عسكري لهم؛ بل إن علي عبدالله صالح جند من الإماميين والحوثيين الشيء الكثير بدون مواربة بل بكل وضوح في عملية توازٍ وتنافس موجه ضد الفرقة الأولى مدرع.

وفي عامي 2010 و2011 ذكرت أرقام ومصادر حقيقية أنه تم تجنيد قرابة 30 ألف عنصر من الحوثيين والإماميين والهاشميين بشكل عام، فضلاً عن بقية البيئة الزيدية في المناطق الشمالية، وهؤلاء لم يأتوا يحملون عقيدة الجمهورية بلا شك؛ بل لهم عمقهم المذهبي والسلالي الإمامي والتنظيمي، وقد عرفه الجميع أثناء سيطرتهم على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، فكانوا أكثر مكونات الحرس الجمهوري، وهم الذين انقلبوا على صالح في ما يسمى انتفاضة الثاني من ديسمبر 2017 وقتلوه.

كثير من هؤلاء بعد قطع مليشيات الحوثي رواتب الموظفين والعسكريين توافدوا على طارق في المخاء كوظيفة راتب لإعالة أسرهم وليس دفاعاً عن الجمهورية وكرهاً في المليشيات الحوثية الانقلابية، إلا قليلاً منهم، هذا فضلاً عن عمليات الدفع للاختراق التي صاحبت كل تحركات طارق طيلة السنوات الماضية، وكيف كانت الكتائب من الساحل الغربي تنضم تباعاً لمليشيات الحوثي في صنعاء من مختلف الأجهزة، بما في ذلك جهازه الاستخباري الذي أفاد الحوثيين كثيراً في تسريب المعلومات.

ضم طارق إلى جواره العديد من الهاشميين الذين كانت لهم مواقف مؤيدة للحوثيين في أكثر من محطة، ومهما كانت صداقة الهاشمي أو التزامه الوظيفي لديك فإن كل ذلك لا يقدمه على الأجندة السلالية، وهذه من أهم ما يتصف بها السلاليون في مسيرتهم الحياتية والمهنية، إلا القليل النادر الذين هذبتهم الأخلاق الإسلامية.

بهذه العقيدة المتذبذبة واجه البقية مليشيات الحوثي، فتراجعوا أمام الزحف الحوثي، مع أن كثيراً منهم دفع روحه ثمناً واستشهد في هذه المعارك، وهي لا شك من العناصر المخلصة التي لم تحمل عقيدة الإمامة وهي من مناطق شتى، فليس كل القوات بذلك الشكل من الخيانة أو البيئة الزيدية، خاصة العناصر من المحافظات الأخرى كإب وتعز وتهامة والمحافظات الجنوبية.

ومن بين أهم أسباب التسليم وذوبان هذه القوات ذلك الفراغ الذي تركته القيادة المتذبذبة والمتخبطة بين أوامر الانسحاب والتشويش في ذلك، وبين عدم وضوح الرؤية القتالية والخيانات الداخلية لبعض القادة ولا شك، هذا كله أدى إلى ارتباك الميدان، وقد شهدته كثير من الجبهات القتالية قبل وبعد الانقلاب الحوثي.

حالة الارتباك والفراغ الذي يخلفه انقطاع القادة الميدانيين بالقيادة السياسية أكبر عوامل الهزيمة والاستسلام؛ الكل يكون تائهاً ولا يدري ما يصنع فيقع بين عوامل اليأس والتيه أو الاستسلام والقتل.

هناك سبب كبير من أسباب الهزيمة وذوبان هذه القوات، وهو تعدد غرف العمليات، وتعدد القيادات، والأنانية في عدم الانصياع لغرفة عمليات واحدة، وحب الظهور وحب تسجيل النصر وحسبانه على هذا الطرف أو ذاك ليتصدر المشهد بعد ذلك.

طارق لا يصلح للقيادة

كل هذه الأسباب وغيرها كشفت لنا أن طارق رجل ميدان تنفيذي لكنه لا يصلح للقيادة والزعامة، حتى وهو في إطار الشراكة في المجلس الرئاسي تعامل مع الرئيس العليمي بفوقية وليس بتراتبية قيادية؛ فقد كان الرجل يعد نفسه بديلاً للعليمي او مرشحاً أوحد لرئاسة اليمن، ولذلك كان لا ينصاع لكثير من القرارات ولا الأوامر القيادية، ودايماً يحاول فرض أجندته واشتراطاته التي لا تنتهي، والغرور قاتل بطبيعة الحال.

يذهب أتباعه وذبابه الالكتروني لتحميل قيادة محور تعز مسؤولية عدم التنسيق العملياتي الميداني، أو الغمز فيه على الأقل، في إضفاء كثير من المبررات له، بدل أن يبحثوا أين الخلل الحقيقي، غير أن الحقيقة أن الرجل رفض أي تعامل وتنسيق مع قيادة المحور، بل إنه تجاهلهم في الميدان وسحب ألويته دون أن يعطيهم أي وجه أو فرصة لترتيب صفوفهم، وحاول اللواء حميد شكري أن يتلافى هذا الموضوع بتشكيل غرفة عمليات واحدة موحدة لإدارة المعركة، وقبل ذلك رفضه دمج قواته في القوات المسلحة اليمنية الشاملة، ولكنه رفض كل ذلك.

برأيي طارق في هذه المعركة لم يكن خائناً، وإنما تم خيانته من الداخل باختراق مليشيا الحوثي لجبهته الداخلية وبين قيادته وأفراده منذ زمن، لكن خيانته غير المباشرة تكمن في عدم التنسيق مع بقية الوحدات وعدم إذعانه لقيادة واحدة وغرفة عمليات موحدة، وعدم مد محور تعز في جبهة الكدحة بالأسلحة اللازمة التي كانت ستحميه قبل أن تحمي الجبهات والمحور، فهل سيستوعب البقية الدرس وينسقوا بين جبهاتهم ويوحدوا صفوفهم؟!

أخبار ذات صلة

جار التحميل....

يستخدم موقع اليمن الاتحادي ملفات Cookies لضمان حصولك على افضل تجربة موافقة إقرأ المزيد