اليمن الاتحادي – تقرير تحليلي:
في أقل من 48 ساعة، انتقلت مليشيا الحوثي من خطاب رفعته لسنوات تحت شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل» إلى مشهد ميداني وسياسي يضع شعاراتها أمام اختبار صعب؛ فبينما كشفت مصادر عن لقاء سري جمع ممثلين عن الجماعة ومسؤولين أمريكيين في مسقط، تزامن ذلك مع تصعيد حوثي ضد السعودية، بلغ حد اعتراض مسيّرة اطلقتها مليشيا الحوثي الارهابية باتجاه مكة المكرمة، بالتزامن مع تهديدات طالت مدناً ومنشآت اقتصادية ونفطية سعودية.
مكة.. تصعيد يتجاوز الجغرافيا العسكرية
أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت، مساء الثلاثاء الماضي مسيّرة حوثية جنوب مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور حول المدينة المقدسة. وقال المتحدث باسم قوات التحالف تركي المالكي إن حماية الحرمين الشريفين والحجاج والمقيمين تمثل «خطاً أحمر».
أقتراب مسيّرة من المجال المحظور لمكة يضع أمن مدينة تستقبل ملايين المسلمين أمام مستوى مختلف من المخاطر، ويمنح التصعيد الحوثي الإرهابي بعداً دينياً وأمنياً بالغ الحساسية.
وقد قوبلت الواقعة بإدانات إقليمية، فيما حذرت الرياض من أن تهديد أمن الحرمين لن يكون أمراً يمكن التعامل معه باعتباره امتداداً عادياً للمواجهات العسكرية. وفي الوقت ذاته، تشير التطورات إلى اتساع نطاق الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية خلال الأيام الأخيرة، بعدما أعلنت الجماعة استهداف مواقع سعودية، بينما قالت السلطات السعودية إن هجمات سابقة بالصواريخ والمسيّرات أسفرت عن إصابة 13 مدنياً في ثلاث مدن.
شعارات ضد إسرائيل.. وتصعيد ضد السعودية
لسنوات، قدمت مليشيا الحوثي هجماتها في البحر الأحمر على أنها جزء من مواجهة إسرائيل، ومنع السفن المرتبطة بها من المرور، وربطت ذلك بما تسميه نصرة الفلسطينيين.
غير أن حصيلة هذا الخطاب تكشف مفارقة واضحة. فالهجمات التي قدمتها الجماعة باعتبارها مواجهة مباشرة مع إسرائيل لم تُحدث، في العديد من الحالات، الأثر الذي يوحي به خطابها السياسي والعسكري، بينما كان أثرها الأوضح يتمثل في تهديد الملاحة التجارية ورفع مخاطر التأمين والشحن وتعريض أطقم السفن للخطر.
وفي المقابل، تؤكد منظمة الملاحة البحرية الدولية استمرار رصد هجمات حوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتدينها باعتبارها تهديداً لسلامة البحارة والسفن والبضائع. كما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن ثلاث هجمات حديثة على سفن تجارية يُرجح أن ترقى إلى جرائم حرب.
وهنا تظهر المفارقة بصورة أكثر وضوحاً: الشعار الذي يقول «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل» لم يمنع الجماعة من فتح قناة تفاوض مباشرة مع واشنطن، ولم يمنعها من تقديم تعهدات تتعلق بالسفن الإسرائيلية، بينما أصبحت السعودية ومدنها ومنشآتها الاقتصادية والنفطية هدفاً مباشراً للتصعيد.
مسقط.. حين تتغير قائمة الأهداف
كشفت وكالة رويترز، امس الأربعاء، نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة، أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن مليشيا الحوثي في السفارة الأمريكية بمسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، في لقاء ساعدت سلطنة عُمان على ترتيبه.
وبحسب المصادر، أبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي أنهم لا ينوون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن في مايو 2025.
والأكثر دلالة أن مصدراً يمنياً أفاد رويترز بأن الجماعة أبلغت الجانب الأمريكي أيضاً بأنها لن تستهدف السفن الإسرائيلية أو السفن التجارية، باستثناء السفن التابعة للسعودية. ولم تؤكد الإدارة الأمريكية تفاصيل الاجتماع رسمياً.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تضع خطاب الجماعة أمام تناقض مباشر: كيف تصبح السفن الإسرائيلية والتجارية خارج دائرة الاستهداف في تفاهمات مسقط، بينما تبقى السفن السعودية مستثناة؟
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بتبدل تكتيكي في قواعد الاشتباك، بل بسؤال سياسي أكبر حول طبيعة الشعارات التي ظلت الجماعة تستخدمها لتبرير تحركاتها العسكرية في البحر الأحمر.
من «الموت لأمريكا» إلى التفاوض معها
الأكثر إثارة أن اللقاء جاء في الوقت الذي تصنف فيه الولايات المتحدة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية منذ مارس 2025، بحسب رويترز، وبعد أشهر من مواجهة عسكرية انتهت باتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين.
وتشير المعلومات التي نقلتها الوكالة إلى أن الاتصالات لم تنقطع، وأن الجماعة سعت إلى ضمان عدم انخراط الولايات المتحدة مباشرة في المعارك الجارية داخل اليمن.
وبذلك يصبح المشهد أكثر تعقيداً: خطاب تعبوي يرفع شعار الموت لأمريكا، وقناة تفاوضية مفتوحة معها؛ خطاب يعلن مواجهة إسرائيل، وتعهد بعدم استهداف سفنها؛ وفي المقابل تصعيد مباشر ضد السعودية، يصل إلى استهداف منشآتها الحيوية والنفطية وتهديد أراضيها.
خلال 24 ساعة.. تصعيد متزامن
خلال الساعات الأخيرة، أعلنت مليشيا الحوثي أنها نفذت هجمات بصواريخ ومسيّرات على منشأة تابعة لأرامكو في ينبع وقاعدة خميس مشيط، كما أعلنت الجماعة إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15.
لكن هذه المعلومات تبقى ادعاءات صادرة عن الحوثيين ولم تتأكد بصورة مستقلة، كما لم تؤكد الرياض إسقاط الطائرة وفق أحدث التقارير المتاحة.
وفي المقابل، قالت مصادر حوثية إن الغارات السعودية على مواقع الجماعة تواصلت، بينما نقلت رويترز أن الطائرات السعودية قصفت مواقع في اليمن بالتزامن مع التصعيد الحوثي.
وعلى المستوى الإقليمي، شددت الولايات المتحدة تحذيراتها الأمنية لموظفي حكومتها في السعودية، ومنعتهم من الاقتراب لمسافة 20 ميلاً من الحدود مع اليمن، في مؤشر على ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة.
الساحل التهامي.. ورقة ضغط تتجاوز اليمن
ولا يمكن فصل التصعيد الأخير عن التطورات الميدانية المتسارعة على الساحل التهامي اليمني؛ إذ قالت الأمم المتحدة إن القتال تصاعد على امتداد الساحل، وإن الحوثيين واصلوا تقدمهم باتجاه باب المندب، مع تقارير عن سيطرتهم على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، أشارت الأمم المتحدة إلى أن حركة السفن التجارية في البحر الأحمر بدت، حتى 15 سبتمبر، غير متأثرة بشكل كبير من الناحية التشغيلية، رغم ارتفاع المخاوف في الأسواق من تداعيات التوسع الحوثي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر مع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية قرب باب المندب، الأمر الذي يمنح الجماعة قدرة أكبر على الضغط على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما حذرت منه دراسات وتحليلات دولية باعتباره تهديداً متزايداً لأمن الطاقة والتجارة العالمية.
ذر الرماد في العيون أم إعادة ترتيب للأولويات؟
المشهد الذي تكشفه التطورات الأخيرة يضع سؤالاً يتجاوز البيانات العسكرية: هل كان استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل خلال الفترة الماضية جزءاً من مواجهة حقيقية، أم ورقة سياسية لتسجيل موقف وإبقاء الجماعة حاضرة في المشهد الإقليمي؟
فإذا كانت الجماعة قادرة، وفق ما نقلته مصادر رويترز، على تقديم ضمانات بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية والتجارية، فلماذا تُبقي السفن السعودية خارج هذا التعهد؟
ولماذا يتزامن الحديث عن التهدئة مع واشنطن مع تصعيد ضد السعودية، واستهداف أو تهديد منشآت نفطية ومدن سعودية، ومحاولة مسيّرة الاقتراب من المجال المحظور لمكة؟
إن الإجابة لا تبدو في الشعارات، وإنما في قائمة الأهداف الفعلية.
فما تقوله الجماعة لجمهورها شيء، وما تفاوض عليه في الغرف المغلقة شيء آخر، وما يحدث على الأرض شيء ثالث. وبين هذه المستويات الثلاثة تتراجع شعارات «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» أمام واقع يكشف أن السعودية أصبحت في قلب الاستهداف الحوثي، بينما تفتح الجماعة في الوقت ذاته قنوات تفاوض مع واشنطن وتقدم تعهدات بشأن السفن الإسرائيلية.
وفي المحصلة، فإن التطورات الأخيرة لا تقدم فقط صورة عن تصعيد عسكري متسارع، بل تكشف أيضاً اختباراً حقيقياً لصدقية الخطاب الحوثي: فإذا كانت الأولوية المعلنة هي مواجهة إسرائيل وأمريكا، فإن تحويل السعودية وأراضيها ومدنها ومنشآتها الاقتصادية إلى أهداف مباشرة، بالتزامن مع تفاهمات معلنة عبر مصادر عن استثناء سفن إسرائيلية وأمريكية من الاستهداف، يفرض قراءة مختلفة لطبيعة الحسابات التي تحكم قرار التصعيد والتهدئة لدى الجماعة.


