بشرى العامري:
ما جرى في حيس والمخا وذوباب وباب المندب،وكل الساحل في محافظتي تعز والحديدة.
ليس مجرد تراجع ميداني يمكن تجاوزه ببيان عسكري، ولا حادثة عابرة تضاف إلى سجل الحرب اليمنية الطويل. إنها هزيمة قاسية للجيش وللمشروع الجمهوري وللقوى التي تقف في مواجهة الحوثيين، وهزيمة سياسية لا تقل خطورة عن الهزيمة العسكرية.
ولعل أول ما ينبغي فعله بعد هذه الصدمة هو أن نتوقف عن الهروب من الحقيقة ونوقف تبادل الاتهامات.
فخلال الأيام الماضية ارتفعت أصوات تتحدث عن الخيانة والتخاذل، وكل طرف يلقي المسؤولية على الآخر.
وقد تكون هناك بالفعل خيانات وتخابر واختراقات أمنية، وقد يكون هناك تخاذل وسوء تقدير، لكن الانشغال بتحديد اسم الجريمة قبل فهم أسباب الهزيمة لن يعيد أرضا ولن يبني جيشا.
لابد من تحقيق عالي وشفاف، ومراجعة صادقة للقيادة والوضع بأكمله.
وتبقى
الحقيقة الأولى أن الحوثيين خرجوا من هذه الجولة بصورة المنتصر. استطاعوا إظهار قدرتهم على نقل المعركة إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في اليمن والمنطقة،
والسيطرة على مواقع استراتيجية مطلة على البحر الأحمر وباب المندب، وتوجيه رسالة إقليمية ودولية مفادها أنهم قادرون على فرض أنفسهم طرفا مؤثرا في المعادلة السياسية والعسكرية.
وهذه ليست هزيمة ميدانية فحسب؛ إنها ضربة سياسية قاسية للشرعية وللمشروع الوطني المناهض للحوثي.
لكن لماذا حدث ذلك؟
لا يكفي القول أن الحوثي امتلك السلاح الأكثر تطورا. فالمشكلة الأعمق كانت في القيادة والتنظيم ووحدة القرار.
ذهبت القوى المناهضة للحوثي إلى المواجهة وهي متعددة القيادات، مختلفة الولاءات، متباينة في حساباتها، ومثقلة بأزمة ثقة عميقة.
قوات المقاومة الوطنية وحراس الجمهورية، وقوات العمالقة، ودرع الوطن، وما تبقى من تشكيلات الجيش، لم تتحول حتى الآن إلى جيش واحد له قيادة واحدة وعقيدة واحدة وقرار واحد.
وهنا تكمن الكارثة.
ليس الجيش مؤسسة تتجاور داخلها المشاريع الخاصة، وليس الوطن جبهة مؤقتة تتقدم فيها كل قوة حين ترى أن مصلحتها تقتضي ذلك.
لقد أثبت الحوثيون أنهم كانوا أكثر قدرة على التنظيم والإدارة والاستعداد للمعركة.
استطاعوا استثمار الاختراقات الأمنية، وإرباك الخصم، وبث الشائعات، واستثمار الاتصالات والمعلومات، والعمل على تفكيك الصفوف من الداخل.
وهذه قدرات لا يجوز الاستهانة بها، ولا ينتقص من مشروعنا الوطني أن نعترف بأن خصمنا تعلم وتطور وأصبح أكثر تعقيدا مما كان عليه قبل سنوات.
لقد تغير الحوثي، بينما بقيت أجزاء كبيرة من الطرف الآخر أسيرة عقلية التشكيلات المتعددة.
ولهذا فإن إعادة بناء الجيش ليست شعارا مؤجلا، بل ضرورة وجودية.
نحتاج إلى جيش يمني واحد، لا جيوشا تحمل أسماء متعددة، وولاءات متفرقة، قيادة عسكرية واحدة، لا غرف عمليات متنافسة؛ عقيدة عسكرية وطنية واحدة، لا عقائد حزبية أو مناطقية أو جماعاتية، ومؤسسة دفاع تتبع الدولة وحدها، لا الأشخاص والمشروعات الخاصة.
والمسألة لا تتوقف عند إعادة توزيع القيادات، نحن بحاجة إلى إعادة تدريب وتأهيل شاملة للقوات المسلحة، تواكب طبيعة الحرب الجديدة.
فالمعركة لم تعد مواجهة تقليدية مع مجموعات مسلحة محدودة القدرات، هناك تقنيات اتصالات، وحرب معلومات، وذكاء اصطناعي، وطائرات مسيرة، وصواريخ دقيقة، وقدرات إلكترونية، واستخدام متزايد للتقنيات الحديثة في إدارة المعركة، ومن الخطأ أن نواجه ذلك بعقلية عسكرية تنتمي إلى زمن آخر.
وعلينا أن ندرك بأن الهزيمة ليست عيبا، لكن إنكارها هو الكارثة.
وما جرى في الساحل يجب أن يكون لحظة مواجهة مع الحقيقة وإعادة بناء للجيش والقرار الوطني. فاستعادة الأرض تبدأ باستعادة وحدة الصف، وتوحيد القيادة، ووضع الدولة فوق كل الحسابات.
أما تجاهل أسباب الهزيمة، فلن يقود إلا إلى هزائم أشد وحرب طويلة الامد الخاسر الاكبر فيها هو المواطن المغلوب على أمره.


