اليمن الاتحادي/ خاص:
أثار يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، جدلاً واسعاً بعد تصريحات انتقد فيها دعاة التصعيد العسكري، محذراً الإيرانيين من تبعات تحويل بلادهم إلى واقع شبيه بالواقع اليمني.
ووجه بزشكيان حديثه إلى من وصفهم بـ«عشاق الحرب»، محذراً من أن الإصرار على الدخول في حروب طويلة سيعني تحمّل تبعات اقتصادية ومعيشية قاسية، بما في ذلك تراجع الخدمات الأساسية والكهرباء، في إشارة إلى ما آل إليه الوضع في اليمن.
وتكتسب تصريحات نجل الرئيس الإيراني أهميتها من كونها تصدر عن شخصية قريبة من مؤسسة الرئاسة؛ إذ يُعرف يوسف بزشكيان بأنه نجل الرئيس ومستشاره الإعلامي، وقد برز خلال الأشهر الماضية عبر مداخلات وتعليقات سياسية أثارت نقاشاً داخل إيران. وتناولت مواقفه ازاء قضايا الحرب والسياسة الخارجية والبرنامج النووي، بما في ذلك قوله إن حياة الإيرانيين لا تعتمد على تخصيب اليورانيوم، داعياً إلى تقييم السياسات وفق مصالح البلاد وتكاليفها.
لكن حديث بزشكيان عن اليمن يفتح الباب أمام مفارقة واضحة في الخطاب الإيراني؛ فطهران تحذر الإيرانيين من نموذج اليمن وما يرتبط به من تدهور في الخدمات والمعيشة، بينما تواصل في الوقت نفسه تقديم الدعم للحوثيين الذين يمثلون القوة المسلحة المسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد.
وتشير تقارير دولية إلى أن إيران تقدم للحوثيين دعماً عسكرياً واستخبارياً وتدريباً، فيما كشفت رويترز في يوليو الماضي، نقلاً عن مصادر إيرانية وأخرى مطلعة، عن وصول عناصر من الحرس الثوري ومستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى اليمن لتعزيز قدرات الحوثيين. كما تؤكد تقارير أممية استمرار المخاوف بشأن نقل الأسلحة والمعدات والتكنولوجيا العسكرية إلى الجماعة بالمخالفة لقرارات مجلس الأمن.
وفي الوقت الذي يحذر فيه نجل الرئيس الإيراني من أن يتحول بلده إلى «يمن» آخر، شهد اليمن خلال الأيام الأخيرة تصعيداً واسعاً من جانب مليشيا الحوثي، أدى إلى موجات نزوح جديدة وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، فيما تجاوز عدد النازحين داخلياً بسبب التصعيد الأخير 112 ألف شخص، وفق بيانات منظمة الهجرة الدولية التي نقلتها رويترز.
ومفارقة أخرى تبدو أكثر وضوحاً في الموقف الإيراني من التصعيد الحوثي ضد السعودية؛ فبعد إعلان السعودية اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أطلقتها مليشيا الحوثي باتجاه مكة المكرمة، سارعت طهران إلى إعلان رفضها لأي اعتداء على الأماكن المقدسة.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن أي اعتداء على مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الأقصى «أمر مدان»، لكنه في الوقت نفسه شكك في نسبة الطائرة إلى جهة محددة، معتبراً أن مجرد الإعلان عن اعتراض مسيّرة كانت في طريقها إلى مكة لا يكفي لاتهام طرف بعينه، مستنداً إلى نفي الحوثيين استهداف المدينة المقدسة.
وبذلك بدت الإدانة الإيرانية عامة ومشروطة، إذ أدانت طهران مبدئياً أي اعتداء على المقدسات، لكنها لم توجه إدانة صريحة إلى مليشيا الحوثي، بل تبنت عملياً روايتها النافية لاستهداف مكة، رغم إعلان التحالف أن الطائرة أطلقتها الجماعة واعتراضها جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور.
وتكشف هذه الازدواجية عن فجوة بين الخطاب الإيراني المعلن تجاه أمن المقدسات، وبين علاقته بمليشيا الحوثي التي تصفها مصادر دولية بأنها جماعة مدعومة من إيران، والتي نفذت خلال السنوات الماضية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد دول الجوار، بما في ذلك السعودية. كما أن مجلس الأمن أكد في قراراته وتقاريره ضرورة وقف إمداد الحوثيين بالأسلحة والمعدات العسكرية، في ظل ما وصفته تقارير أممية بدعم خارجي متواصل للجماعة.
وفي المقابل، أدانت الحكومة الشرعية محاولة مليشيا الحوثي استهداف مكة المكرمة، وحملت الجماعة المسؤولية عن التصعيد، كما حملت النظام الإيراني مسؤولية استمرار تمكينها وتسليحها وتوفير القدرات التي تستخدمها في تنفيذ اعتداءاتها.
وتبقى المفارقة الأبرز أن طهران تحذر الإيرانيين من أن يعيشوا واقعاً شبيهاً باليمن، بينما تشير الأدلة والتقارير الدولية إلى استمرار دعمها لجماعة مسلحة ساهم تصعيدها في تعميق الأزمة الإنسانية اليمنية، وتهديد أمن دول الجوار والملاحة الدولية، وصولاً إلى حادثة المسيّرة التي أعلنت السعودية اعتراضها بالقرب من مكة المكرمة.


