توفيق السامعي:
من يراجع سيرة صالح بتأنٍ، ويعرف الحقائق عن قرب من خلال المقارنات التاريخية، وخطواته العملية على الأرض، والتعمق في مؤسسات الدولة، ومراقبة ما كان يجري فيها، يدرك إلى أي مدى كان الرجل عنصرياً مناطقياً وزيدياً أيضاً؛ سواء عبر خطابه مع الآخر المختلف معهم، أو مع المناطق الجنوبية وتعز خاصة. وما التسجيل الصوتي المسرب له وهو يشتم الشهيد حميد القشيبي بأبشع المصطلحات والألفاظ إلا خير دليل على ذلك
. https://www.youtube.com/watch?v=RFW4BLvE39E رابط التسجيل.
فمصطلح (لُغلُغي) الذي كان يَصِم به أبناء تعز مستعلياً ومحتقراً إياهم لا يبارح لسانه، كما يصفه أحد المقربين منه في كواليس حكمه. وكذلك حديثه عن الرئيس هادي بلغة مناطقية فجة (أنتم أدوات مع صاحب أبين)؛ فهادي ليس في نظره رئيس شرعي بل هو (صاحب أبين) كما هو في نظره بن شملان (صاحب حضرموت)، أو الرئيس رشاد العليمي قهو (صاحب تعز)!
صالح في عدة مقابلات تلفزيونية يعترف أنه زيدي وليس سنياً، وإن كانت بعض تصريحاته فيها تقية سياسية أو انتهازية يقول فيها أنه لا يوجد شيء اسمه زيدي شافعي بل تعايش، إلا أن هذه المقابلة التلفزيونية لقناة الجزيرة بتاريخ 11/9/2009 يعترف لها بعظمة لسانه أنه زيدي.
كما يعترف بأنه يتحالف مع إيران، وأنه هو من استدعاها للدخول إلى اليمن في إطار تحالف استراتيجي بينهما، سواء تحالف شيعي شيعي أو استراتيجي كما قال لا مشكلة في ذلك، وهذا الرابط لهذا الاعتراف والتسجيل.. https://www.youtube.com/watch?v=LEPFX7iwV8U
تنضح وسائل الإعلام بتحريضاته ضد أبناء محافظة تعز بين فترة وأخرى، وكان أبرزها تحريضه لقتلهم في خطاب صريح وواضح قوله: “دجوهم بالجناصات، بالميدي إف، بكل أنواع الأسلحة، أحرقوهم، من في تعز دواعش وإرهابيين”، وقال ذات يوم إنه سيسوق تعز كلها بطقم عسكري! كناية عن الاحتقار والتعالي عليهم باعتبارهم مدنيين غير مسلحين.
وهذا رابط التصريح
وهو الذي عرف عنه التورية والمداهنة، أو أن ما يقوله خفية لا يقوله عنهم في وسائل الإعلام، وهو الذي يخدع الجمهور ويدغدغ مشاعرهم بخطابات استعطاف واسترحام أحياناً، فقد خرج عن طوره السياسي المخادع وعاد إلى لسانه وجلده الحقيقيين، وحرض عليهم علناً ودون مواربة أو لياقة سياسية.
صالح هو الذي قال ذات يوم من عام 2011 أنه سيقود تعز كلها بطقم مسلح واحد فليسوا رجالاً ولا أهل سلاح، وتطبيقاً لمقولته تلك عمد إلى مدينة تعز في 2011 وقصفها بلا هوادة بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدافع وصواريخ كاتيوشا فقتل كثيراً من أبنائها وبناتها وأطفالها، ودمر كثيراً من منازل أهلها، وأحرق ساحتها، ولم تسلم منه حتى النساء المصليات اللاتي قصف مصلاهن في صلاة الجمعة بالدبابة يوم 11/11/ 2011، وراحت ثلاث نساء شهيدات وهن يصلين الجمعة، ناهيك عن ارتكابه أبشع مجزرة بحق شباب عزل وهم يصلون صلاة الجمعة في ساحة الجامعة بصنعاء، فيما عرف بجمعة الكرامة، ليستشهد أكثر من 50 شاباً أعزل!
لازلت أتذكر موقفين شخصيين من مواقف صالح تعرضنا لهما، وعقبت عليهما.
الأول: خطاباً له في مدينة إب، في مهرجانه الانتخابي عام 2006 وصف مديرية سامع (بعد مروره منها) بأنها لا تزال تعيش في عصر الإمامة، وهو يعرض بعزلتها وحرمانها من المشاريع، ويا للعجب!
المسؤول الأول في الجمهورية يعرض بمديرية قصر في حقها ولم يسعفها بمشروع تنموي واحد، وعاد ليتهكم عليها، مما جعلني أرد عليه بمقال في حينه كتبته في موقع مارب برس أذكره بمسؤوليته تجاهها، وأن الملام في المقام الأول هو باعتباره المسؤول الأول عنها في الجمهورية. https://marebpress.net/articles.php?lng=arabic&id=3470
أما الموقف الثاني: فهو أثناء الانتخابات الرئاسية والمحلية عام 2006، يوم الاقتراع؛ فقد كنت نائب رئيس اللجنة الرئيسية في مديرية سامع المشرفة على الانتخابات، وكان صالح يهمه كثيراً نتائج تلك الانتخابات في المديرية مهما كله الثمن؛ فالمؤتمر لم يفز فيها يوماً ما؛ خاصة في النيابية، ولذلك لم يثق بأحد؛ فعين لجنة أمنية بإشرافه من الحرس الجمهوري برئاسة أحد المقربين الشخصيين إليه من قريته واسمه المقدم محسن الصقر، قائد معسكر التشريفات في تعز، وكانت التعليمات لديه أن يفجر الصراع في المديرية في حال لم يفز فيها، قال لي هذا الأمر بشكل شخصي مهدداً ومتوعداً.
فبينما كانت كل المؤشرات والاستطلاعات تتحدث عن إمكانية فوز كاسح لمرشح المعارضة المهندس فيصل بن شملان، عمد سياسيوها ومشايخها ليلاً إلى شراء المواطنين، وحتى شراء النائب سلطان السامعي، الذي انقلب على اللقاء المشترك الذي ينتمي إليه حينها، وأمر أصحابه بالتصويت للرئيس صالح، مما شكل مفاجأة وصدمة كبيرتين لنا حينها، وخيبة أمل كبيرة ونكثه بوعوده المختلفة!
فبينما أغلقنا صناديق الاقتراع، وكنت أتحدث إلى رئيس اللجنة الأمنية ذاك، كان هو يتصل للرئيس صالح رأساً، وبشكل شخصي، وأنا بجواره، وهو يعلن النتيجة مقدماً، مما جعلني أصرخ في وجهه قائلاً: متى تم فرز الصناديق وإعلان النتائج حتى تقوم بتهنئته وتبلغه بالفوز؟!
كان قد قال لي إن الرئيس صالح بنفسه يتابع عملية الاقتراع تلك، ويريد المديرية بأي ثمن مهما كانت التضحيات!
صالح كان واضحاً وضوح الشمس لكل الخصوم وغير الخصوم، لكن أنصاره هم الذين يغطون عين الشمس بغربال؛ فقد غدر بلجنة الوساطة التي أرسلها للصلح بينه وبين آل الأحمر، وقصفها بصاروخ موجه إلى ديوان اللقاء والنقاش في منزل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وقتل بعضاً من الوسطاء.
عندما كان قائداً لمحافظة تعز في عهد الغشمي قام بقتل مشايخ الحجرية، بالضبط كما فعل الإمام يحيى حميد الدين بعد انسحاب الأتراك من اليمن، فقد شكل منهم لجنة وساطة بينه وبين العقيد عبدالله عبدالعالم للتفاوض معه وتسليم نفسه، وكان يخشى من تقارب أولئك الضباط مع الرئيس الغشمي، فما كان منه أثناء اجتماعهم مع بعض إلا أن قام بتصفيتهم جميعاً وإلقاء التهمة على عبدالله عبدالعالم لاستثارة مشايخ تعز ضده، واستمر في اغتيال مشايخ تعز بعد ذلك إلى حين من عهد رئاسته وحكمه.
غدر صالح بمشايخ تعز
التقيت أحد الضباط المرافقين والزملاء لعبدالله عبدالعالم، وأحد المنفيين معه، فقال لي: لم نكن في تلك الأثناء أساساً موجودين في التربة من الحجرية كما أشيع حينها، كما لم تحدث مواجهات من الأساس. كنا قد مشينا راجلين أنا وعبدالله عبدالعالم واثنين آخرين إلى عدن، ومررنا من طرق وشعاب جبلية وعرة وخفية عن طريق المقاطرة وصولاً إلى طور الباحة ومن ثم إلى عدن، ولم نلتق أولئك المشايخ مطلقاً، فكيف يتهم عبدالله عبدالعالم بتصفيتهم؟!
يقول: كانت المسألة مثارة من أيام أحداث أغسطس وعلي عبدالله صالح رجل متعصب مناطقياً وطائفياً، وكان الجميع يريد تصفيات الشخصيات الفاعلة في الحجرية حتى لا تقوم لهم قائمة، من أجل أن لا يتكرر عبدالرقيب.
تتحدث بعض المصادر أن لخلفية تصفية صالح لمشايخ الحجرية أمرين اثنين:
الأول: حتى لا تبرز شخصية كبيرة ذات ثقل من تعز لقيادة البلاد في ذلك الوضع المترهل فتعيد للثورة والجمهورية اعتبارها وللجيش مكانته ومؤسسيته، خاصة ولشخصيات تعز مع كل حدث مفصلي لليمن حضور كبير ومؤثر في رسم خارطة اليمن، بينما أحداث أغسطس ما تزال طرية وذات عهد جديد، ولذلك حرص في كل وقت أن لا يبرز أي رأس من تعز.
الثاني: انتقاماً منهم لاحتشادهم خلف الرئيس الحمدي، وحضورهم مؤتمر التأييد له الذي عقد في مدينة الروضة شمال صنعاء، فتم الحقد عليهم منذ تلك اللحظة؛ فهو يريد تصفية عهد الحمدي بشخوصه وبرامجه.
ما يؤكد كلام الرجل، وحقيقة أن صالح هو من قام بتصفية مشايخ الحجرية هو أنه تم قصف بلادهم بالطيران، وتجريد حملة عسكرية بالأسلحة الثقيلة من دبابات وغيرها، وخاض المعركة من طرف واحد. هو أمر أكده أقرب المقربين لحكمه وداعمه الأول وهو الفريق علي محسن، في مقابلة صحفية في 2011، وأخذهم غيلة في كل مكان.
فما زال صالح متربصاً بهم إلى أيام حكمه، ففي شهر أغسطس من عام 1980 قام صالح باغتيال الشيخ أحمد سيف الشرجبي؛ كآخر المشايخ المعتبرين والأقوياء والشخصيات الجامعة في الحجرية وتعز عموماً؛ فهو شيخ مشايخ الحجرية حينها، وعضو المجلس الجمهوري قديماً. وكان من ضمن دوافع اغتياله إصلاحه بين القبائل المتقاتلة في الحجرية سواء بين قبيلتي سامع وبني يوسف، أو بين قبائل الوازعية، وإخماد بعض الفتن كما حصل في منطقة المساحين، في حين كان صالح يغذي هذه الصراعات ولا يريدها أن تهدأ.
هناك دافع خفي وشخصي متداول بين الناس أن الشيخ الشرجبي كان لا يكترث لصالح، ولا يعره اهتماماً كبقية المشايخ، وقيل ذات مرة أنه صفعه على خده بشكل شخصي، قبل توليه الرئاسة عندما كان قائداً لمحور تعز، وكانت شخصية الشيخ الشرجبي قوية، وصالح لا يحب أية شخصية قوية تكون بجانبه في اليمن، فما بالك أن تكون شخصية من الحجرية ذات شعبية وثقل سياسي وقبلي وصاحبة كلمة مسموعة؛ فهو عادة يتخلص من كل شخصية قوية يمكن أن تخطف الأضواء عنه.
تصفية صالح لأقاربه
لقد كان معروفاً عن صالح أنه لا يقبل برجال أقوياء معه أو حوله، يستعملهم لفترة ثم ما يلبث أن يصفيهم؛ فقد تخلص من رجاله الأقوياء في الجيش بحادثة المروحية في منطقة العبر في يوم 13/8/1999، والتي كانت تقل 17 شخصية عسكرية، بينهم خمسة من كبار ضباط القوات المسلحة المقربين منه, منهم نائب رئيس هيئة الأركان العميد الركن أحمد فرج، والقائد العسكري للمنطقة الشرقية العميد الركن محمد أحمد إسماعيل, والعميد الركن عوض محمد السنيدي مدير دائرة التسليح بوزارة الدفاع, والعقيد الركن أحمد علي صيفان, والعقيد الركن أحمد نعمان المشرقي, فضلاً عن اثني عشر من الضباط والجنود بمن فيهم طاقم الطائرة، ليتم التخلص من الأسرة والدائرة الواسعة والاتجاه إلى الدائرة والأسرة الضيقة الخاصة به هو.
نجا محسن من تلك الحادثة، ولم يتواجد معهم في الطيران، وهو الذي منح صالح الرئاسة دون غيره ودعمه في كل المنعطفات والمراحل السياسية؛ فقد كان ضمن أهدافه لأربع مرات، أولاها بطائرة العبر، وثانيها بإعطاء الطيران إحداثيات مكانه في حرب صعدة، واستمر ضمن أهدافه إلى عهد ثورة 2011 حينما أرسل له فريقاً للصلح من مشايخ بلاده ثم حاول الغدر به للمرة الثالثة ولكنه لم يوفق، وأما المرة الرابعة فهي استهدافه في مقر الفرقة الأولى مدرع حينما كان صالح والحوثيون يحاصرون العاصمة صنعاء ويستهدفون تحركاته لحظة بلحظة بالقذائف من منطقة الصباحة، ونجا منها بأعجوبة!
لم يكتف صالح بقتل أركان حكمه المقربين الذين ثبتوا حكمه ودولته، فقام بتصفية ابن أخيه علي صالح في ديوان الرئاسة؛ فقد كان الولد شجاعاً وذكياً، وعلي صالح يغار منه على ابنه أحمد، فافتعل قصة لتصفيته في مقيل عام في الرئاسة، زاعماً أنه شهر عليه جمبيته لقتله، وهو ما وتر العلاقات بينه وبين أخيه علي صالح حينها!
في عام 2010 وعلى نحو ما أقنع علي صالح عبد الرقيب القرشي؛ صهر عبدالله عبدالعالم، وهو أحد المنفيين خارج البلاد إثر مجزرة صالح لمشايخ الحجرية واقتحامها عام 1977، أقنعه بالعودة من منفاه إلى الوطن. وبعد أيام قليلة من عودته إلى أرض الوطن في يونيو ٢٠١٠، غدر به صالح، ومارس عليه هواية القنص وهو في غرفة نومه في فندق سبأ بالعاصمة صنعاء، كآخر الضباط من تلك الأحداث الذين أخذ على عاتقه عهداً أنه سيصفيهم.
هذا الإصرار والغل الذي كبله طيلة أكثر من 40 عاماً يكشف ما خلفه من الحقد والإصرار على مشايخ وشخصيات وأعيان تعز، ولذلك كانت له عبارتان شهيرتان (سأسوق تعز كلها بطقم، ودجوهم بالجناصات) كترجمة عملية لهذا الحقد الدفين وعملية الثأر من طرف واحد مع تعز. وفي هذا السياق جاء حقده على الرئيس العليمي.
صالح الذي لا يثبت على حال، وكل مرة يغير خطابه ضد أو مع أبناء محافظة تعز، يعكس تخبطاً وشخصيتين متناقضتين؛ كل شخصية تعكس موقفاً له. فمثلاً التقى كوادر حزبه من أبناء تعز بتاريخ 9 مارس 2015 على الرابط
وقال في حينه: لم يخلق من بطن أمه من يهدد محافظة تعز وأبنائها الشرفاء، لنجده بعد عامين، في لقائه كوادر حزبه من أبناء محافظة البيضاء بتاريخ 23/02/2017 يطفح حقده الكبير على تعز وأبنائها، ويصفهم بأقبح الأوصاف، ويتهمهم بأبشع التهم، ويعتبرهم إرهاب ودواعش، ويستحل دماءهم وبلادهم، ويحرض على قتلهم بمختلف الأسلحة وحرقهم في كل مكان كما قال. رابط


